الصفحة الرئيسة البريد الإلكتروني البحث
علي شريعتي/ العرفان الثوريهبوط في الصحراء مع محمد حسين بزيهوية الشعر الصّوفيالمقدس السيد محمد علي فضل الله وحديث الروحعبد المجيد زراقط في بحور السرد العربيقراءة في كتاب التغيير والإصلاحبرحيل الحاجة سامية شعيب«إحكي يا شهرزاد» اهتمام بشؤون المرأة المعاصرةالنموذج وأثره في صناعة الوعيتبادل الدلالة بين حياة الشاعر وحياة شخوصهالشيعة والدولة ( الجزء الثاني )الشيعة والدولة ( الجزء الأول )الإمام الخميني من الثورة إلى الدولةالعمل الرسالي وتحديات الراهنمعرض الكويت الدولي للكتاب 2019صدر حدياً ديوان وطن وغربةعبد النبي بزي يصدر ديوانه أصحاب الكساءتوزيع كتاب هبوط في الصحراء في لبنانإطلاق كتاب هبوط في الصحراءصدور هبوط في الصحراءمتحدِّثاً عن هوية الشعر الصوفينعي العلامة السيّد محمد علي فضل اللهندوة أدبية مميزة وحفل توقيعاحكي يا شهرزاد في العباسيةفي السرد العربي .. شعريّة وقضاياحوار مفتوح مع د. يوسف زيدانمعرض مسقط للكتاب 2019متواليات تراثيةمتواليات صوفيةالتصوف وفصوص النصوص الصوفيةدار الأمير تنعى د. بوران شريعت رضويالعرس الثاني لـ شهرزاد في النبطيةصدر حديثاً كتاب " حصاد لم يكتمل "جديد الشاعر عادل الصويريدرية فرحات تُصدر مجموعتها القصصيةتالا - قصةسِنْدِبادِيَّات الأرز والنّخِيلندوة حاشدة حول رواية شمسندوة وحفل توقيع رواية " شمس "خنجر حمية وقّع الماضي والحاضرمحمد حسين بزي وقع روايته " شمس "توقيع رواية شمستوقيع المجموعة الشعرية قدس اليمندار الأمير في معرض بيروتتوقيع كتاب قراءة نفسية في واقعة الطفدار الأمير في معرض الكويتمشاكل الأسرة بين الشرع والعرفالماضي والحاضرالفلسفة الاجتماعية وأصل السّياسةتاريخ ومعرفة الأديان الجزء الثانيالشاعرة جميلة حمود تصدر دمع الزنابقبيان صادر حول تزوير كتب شريعتي" بين الشاه والفقيه "محمد حسين بزي أصدر روايته " شمس "باسلة زعيتر وقعت " أحلام موجوعة "صدر حديثاً / قراءة نفسية في واقعة الطفصدر حديثاً / ديوان جبر مانولياصدر حديثاً / فأشارت إليهصدر حديثاً / رقص على مقامات المطرتكريم وحفل توقيع حاشد للسفير علي عجميحفل توقيع أحلام موجوعةتوقيع ديوان حقول الجسدباسلة زعيتر تُصدر باكورة أعمالهاالسفير علي عجمي يُصدر حقول الجسدصدر حديثاً عن دار الأمير كتاب عين الانتصارجديد دار الأمير : مختصر كتاب الحج للدكتور علي شريعتيصدر حديثاً كتاب دم ابيضاصدارات مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي
الصفحة الرئيسة اّخر الإصدارات أكثر الكتب قراءة أخبار ومعارض تواصل معنا أرسل لصديق

جديد الموقع

علي شريعتي/ العرفان الثوريهبوط في الصحراء مع محمد حسين بزيهوية الشعر الصّوفيالمقدس السيد محمد علي فضل الله وحديث الروحعبد المجيد زراقط في بحور السرد العربيقراءة في كتاب التغيير والإصلاحبرحيل الحاجة سامية شعيب«إحكي يا شهرزاد» اهتمام بشؤون المرأة المعاصرةالنموذج وأثره في صناعة الوعيتبادل الدلالة بين حياة الشاعر وحياة شخوصهالشيعة والدولة ( الجزء الثاني )الشيعة والدولة ( الجزء الأول )الإمام الخميني من الثورة إلى الدولةالعمل الرسالي وتحديات الراهنمعرض الكويت الدولي للكتاب 2019صدر حدياً ديوان وطن وغربةعبد النبي بزي يصدر ديوانه أصحاب الكساءتوزيع كتاب هبوط في الصحراء في لبنانإطلاق كتاب هبوط في الصحراءصدور هبوط في الصحراءمتحدِّثاً عن هوية الشعر الصوفينعي العلامة السيّد محمد علي فضل اللهندوة أدبية مميزة وحفل توقيعاحكي يا شهرزاد في العباسيةفي السرد العربي .. شعريّة وقضاياحوار مفتوح مع د. يوسف زيدانمعرض مسقط للكتاب 2019متواليات تراثيةمتواليات صوفيةالتصوف وفصوص النصوص الصوفيةدار الأمير تنعى د. بوران شريعت رضويالعرس الثاني لـ شهرزاد في النبطيةصدر حديثاً كتاب " حصاد لم يكتمل "جديد الشاعر عادل الصويريدرية فرحات تُصدر مجموعتها القصصيةتالا - قصةسِنْدِبادِيَّات الأرز والنّخِيلندوة حاشدة حول رواية شمسندوة وحفل توقيع رواية " شمس "خنجر حمية وقّع الماضي والحاضرمحمد حسين بزي وقع روايته " شمس "توقيع رواية شمستوقيع المجموعة الشعرية قدس اليمندار الأمير في معرض بيروتتوقيع كتاب قراءة نفسية في واقعة الطفدار الأمير في معرض الكويتمشاكل الأسرة بين الشرع والعرفالماضي والحاضرالفلسفة الاجتماعية وأصل السّياسةتاريخ ومعرفة الأديان الجزء الثانيالشاعرة جميلة حمود تصدر دمع الزنابقبيان صادر حول تزوير كتب شريعتي" بين الشاه والفقيه "محمد حسين بزي أصدر روايته " شمس "باسلة زعيتر وقعت " أحلام موجوعة "صدر حديثاً / قراءة نفسية في واقعة الطفصدر حديثاً / ديوان جبر مانولياصدر حديثاً / فأشارت إليهصدر حديثاً / رقص على مقامات المطرتكريم وحفل توقيع حاشد للسفير علي عجميحفل توقيع أحلام موجوعةتوقيع ديوان حقول الجسدباسلة زعيتر تُصدر باكورة أعمالهاالسفير علي عجمي يُصدر حقول الجسدصدر حديثاً عن دار الأمير كتاب عين الانتصارجديد دار الأمير : مختصر كتاب الحج للدكتور علي شريعتيصدر حديثاً كتاب دم ابيضاصدارات مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي

أقسام الكتب

مصاحف شريفة
سلسلة آثار علي شريعتي
فكر معاصر
فلسفة وتصوف وعرفان
تاريخ
سياسة
أديان وعقائد
أدب وشعر
ثقافة المقاومة
ثقافة عامة
كتب توزعها الدار

الصفحات المستقلة

نبذة عن الدار
عنوان الدار
دار الأمير وحرب تموز 2006
About Dar Al Amir
Contact Us
شهادات تقدير
مجلة شريعتي
مواقع صديقة
هيئة بنت جبيل
اصدارات مركز الحضارة

تصنيفات المقالات

عملاء حرب تموز
ريشة روح
قضايا الشعر والأدب
شعراء وقصائد
أقلام مُقَاوِمَة
التنوير وأعلامه
قضايا معرفية
قضايا فلسفية
قضايا معاصرة
الحكمة العملية
في فكر علي شريعتي
في فكر عبد الوهاب المسيري
حرب تموز 2006
حرب تموز بأقلام اسرائيلية
English articles

الزوار

9462248

الكتب

279

القائمة البريدية

 

الولايات المتحدة طليعة الانحطاط (الفصل 8- 9)

((التنوير وأعلامه))

تصغير الخط تكبير الخط

الولايات المتحدة طليعة الانحطاط
كيف نحضر للقرن الحادي والعشرين

بقلم: روجيه غارودي.

نقله إلى العربية: مروان حموي.

( إضغط هنا لقراءة الفصل السادس والسابع ) usaflag_290

الفصل الثامن
كيف الخروج من المأزق ؟

انطلاقا من كشف حساب الثقافة الغريبة الذي نستنتج منه الخسارة والفشل ، ومن هذا الحج إلى الايمان وثقافة الآخرين " ونعني بذلك ايمان وثقافة أربعة أخماس سكان الكرة الارضية " يتوجب علينا أن نبرز الرؤى التالية :
ـ كيف الخروج من التناقضات والطرق المسدودة لنظام لا يستطيع قيادتنا إلا إلى الموت ؟
ـ أية استراتيجية يمكن أن تسمح لنا ببناء عالم بوجه إنساني ، نواجه به القرن الحادي والعشرين؟
يجب علينا ، من منظور " فلسفة الفعل " التي تحررنا من اشكال الهيمنة وليدة فلسفات الكائن الغربي على امتداد خمسة وعشرين قرنا ، الخروج من قياس أقرن ـ حسب تعبير المناطقة ـ كل حد من حديه خاطئ ، فحد يقول : يجب تغيير الإنسان بغية تغيير العالم ، وحد يقول : إذا غيرنا البنى ، فسيبزغ بالضرورة إنسان جديد .
لم ينجح الاخلاقيون ، وبشكل خاص المسيحيون أتباع بولس ، والمؤمنون بالطريق الاولى أي تحرير الإنسان من الهيمنات والعزل والحروب ، عن طريق الموعظة . لقد استمر هذا الفشل ألفي عام .
أما الآخرون فقد سلكوا الطريق الثاني معتقدين أنهم أكثر واقعية . وقد حملت " المسيحية " السوفيتية خلال ثلثي قرن وهما شبيها بأوهام الأولين : إذا بدلنا في بنى الاقتصاد ، ووضعنا نهاية للملكية الخاصة لوسائل الانتاج ، وألحقناها بالدولة ، فسيؤدي ذلك إلى ولادة الإنسان الجديد .
ولكنه لم يولد . أما عودة الرأسمالية ، فقد سمحت بولادة المافيا ، ونشوء ثروات مصارية وطفيلية بسرعة نمو الفطر السام ، رافقها البؤس والفساد والبغاء والمخدرات ، وكل الرذائل التي يتسم بها الانحطاط الليبيرالي .
وأصبح واضحا أننا لا نستطيع الفصل بين الخيارين : هذا الذي تأسس على تعالي الفعل الخلاق ، وذاك الذي يطلب من المبدع أن يحدد تخومه ، في هداية بعض الأرواح حتى ولو صاروا قديسين ، ولكنهم لا يملكون من الخيارات إلا الانعزال في " صومعة " أو العيش على هامش المجتمع .
في فلسفة الفعل لا يمكن فصل هاتين الصيغتين ، فليس الايمان والفعل إلا الظاهر والباطن للإنسان الكامل . فالايمان المنفصل عن الفعل سيتبخر إلى تقوى صافية ، إنما شخصية . أما الفعل المنفصل عن الايمان فيقود الإنسان إلى حيوانيته الأولى .
تنصهر الروحانية في الصراع من أجل تغيير البنى وتتشابك معه ، ولكنها لا تفقد أيا من أبعادها الباطنية .
وفي العودة اليومية للتأمل في الغايات الاخيرة لفعلنا ، ولوحدتنا الصوفية " مع الكل " ، نحمي عملنا من أن يختزل إلى البحث عن الوسائل والانتاجية والكفاية ، وسنعي أن الطبيعية بأكملها هي أجسادنا، وبأن روحنا مسكونة بكل الثقافات الإنسانية في تاريخها الكلي ، لا بـ " أنا " معزولة ، وبأن إيماني الذي يعبر عن نفسه بالثقافة يلتقي مع إيمان الآخرين الذين يعيشونه عبر ثقافاتهم ، دون رغبة " بهداية الآخر " ، أعني دون رغبة أن أختزل الايمان الاساسي للآخر ، إلى طريقتي في الحياة .
وغالبا ما يفسرون ويشوهون الصيغة التي اختصر بها لوكيه ، هذه الرؤية للإنسان : " يعمل ، ويتصرف بما عمل ، ولن يكون شيئا آخر غير ما عمله ".
ولن تشوه هذه الصيغة ، إلا عندما يحرم الفعل من بعده الباطني أو فاعليته .
واذا ما بدأت معركة بناء عالم آخر ـ وليس عالما آخر من الشطحات أو أحلام المدن الفاضلة ـ فإن عليها أن تتطور في ثلاثة مستويات : التربية ، والفن ، والسياسة ، وبطريقة ينصهر فيها فعل الايمان وفعل الخلق الفني ، والفعل السياسي ، في حركة فاعلة واحدة .
ـ قلب التربية :
ليس المطلوب اقتراحا " لإصلاح " النظام التربوي ، لأن محتوى وبنى التعليم القائم لا يحتاج إلى مجرد إصلاح ، بل إلى قلب جذري .
ولا نريد هنا أن نكتب تاريخا للتربية ، بل لنسجل فقط أنها لا تهدف حتى الآن ، إلا إلى إعادة إنتاج النظام القائم .
وينطلق نظامنا القائم من مفهوم نابليون الذي كان أول من وضع تصويبا لمجمل الدور التربوي ، بعد الثورة الفرنسية . كان همه الأول من تأسيس المدارس ، ايجاد الكوادر لجيشه ، وإداراته ، وإعادة إنتاج التعليم .
ومنذ ذلك الحين ، وبدءا من المونسينور فاتيمسنيل حتى وزراء التربية الحاليين ، جرت إصلاحات متعددة للاستجابة الافضل لاحتياجات النظام ، آخذين بالحسبان تطوره والمتطلبات الجديدة . فمع تطور الصناعة مثلا ، ازدادت الحاجة إلى تقنيين من كل المستويات ، وادى ذلك إلى ديمقراطية التعليم : الابتدائي أولا لمن لا يستطيعون أن يرتقوا إلى اكثر من ذلك بسبب ازدياد تعقيدات التنمية ، وتأهيل الآخرين ليصبحوا كوادر أو مهندسين . وقادت هذه الحاجة إلى إصلاح محتوى التعليم ، فأنزلت اللاتينية عن عرشها ، وكانت حتى ذلك الحين بطاقة المثقف ، واستبدلت بالرياضيات والعلوم الاساسية للتقنيات الجديدة .
ولكن هذا التكييف التربوي المتعاقب مع الاحتياجات الجديدة للنظام الاجتماعي ، حافظ باستمرار على ما هو ضروري : بقاء هدف النظام التربوي تكوين ، " نخبة " أصبحت متخصصة أكثر فأكثر في ميادين مثل الفيزياء النووية ، وعلم الوراثة ، والاقتصاد السياسي ، أو المعلوماتية ، ولكنها بقيت محرومة من ثقافة ، لا نقول عنها عامة ، وإنما شاملة ، أي أن تطرح هذه الثقافة مسألة الغايات الاخيرة للابحاث والمنجزات .
لهذا نقول أن الامر لا يتطلب اصلاح النظام وإنما قلبه وبشكل جذري . ولن يتحقق ذلك بمئة عملية اصلاحية ، سواء جاءت هبة من الحكومة ، أو قرارا من الهيئات الانتخابية والتشريعية . والطريق الصحيح هو تبديل العقليات التي تعمل على استمرار النظام القائم الذي لا يملك غايات إلا زيادة إجمالي الناتج القومي ، والاستهلاك ، والقوة، وغزو الاسواق .
أيتطلب الأمر أن : نفبرك " في مدارسنا اطباء اسنان ومهنيين أو عسكريين ، أم علينا أن نهيئ الإنسان كي يكون إنسانا ، نعني بهذا أن يكون خلاقا .
لهذا يتطلب الأمر تغييرا جذريا شاملا لمحتوى وبنى التربية .
وفي البداية علينا المساعدة في معالجة تراجع تعليم ثقافات الاخرين لابنائنا ، بالنسبة لثقافتنا الغربية ولا نعني أن يكون ذلك ، فقط في الكوليج دوفرانس ، أو " الدراسات العليا " ، أو اللغات الشرقية ، إنما لدى الجماهير ، لتعليمها ثقافات الاخرين ، وليس في المدرسة فقط باضافة ملحق للبرنامج المدرسي ، وإلا فلن يكون لدينا معلمون قادرين على تنفيذ هذه المباردة ، طالما أننا لا نكونهم إلاّ في " المدرسة الاوروبية " .
وسنكتفي بمثال واحد يعود إلى زمن قريب منا، وهو مثال الفلسفة ، نتساءل متى أدخل في برنامج " الاستاذية " وخارج الخط الذي يصل بين أفلاطون وهايدجر ، فلسفة تشوانغ تسو ، وفلسفة سنكارا والغزالي .
وأثناء ذلك ، وخارج المدرسة ، لن تعوز الفرص للالتقاء باولئك الذين يحملون تلك الثقافات : فليس الصينيون غائبين عن أمريكا وأوربا ، ولا الهنود عن إنكلترا ، والا العرب عن فرنسا ، ولا الترك عن ألمانيا .
الوراثة ، والاقتصاد السياسي ، أو المعلوماتية ، ولكنها بقيت محرومة من ثقافة ، لا نقول عنها عامة ، وإنما شاملة ، أي أن تطرح هذه الثقافة مسألة الغايات الاخيرة للابحاث والمنجزات .
لهذا نقول أن الأمر لا يتطلب إصلاح النظام وإنما قلبه وبشكل جذري . ولن يتحقق ذلك بمئة عملية اصلاحية ، سواء جاءت هبة من الحكومة ، أو قرارا من الهيئات الانتخابية والتشريعية . والطريق الصحيح هو تبديل العقليات التي تعمل على استمرار النظام القائم الذي لا يملك غايات إلاّ زيادة اجمالي الناتج القومي ، والاستهلاك ، والقوة ، وغزو الاسواق .
أيتطلب الأمر أن : نفبرك " في مدارسنا أطباء أسنان ومهنيين أو عسكريين ، أم علينا أن نهيئ الإنسان كي يكون إنسانا ، نعني بهذا أن يكون خلاقا .
لهذا يتطلب الأمر تغييرا جذريا شاملا لمحتوى وبنى التربية .
وفي البداية علينا المساعدة في معالجة تراجع تعليم ثقافات الاخرين لابنائنا ، بالنسبة لثقافتنا الغربية ولا نعني أن يكون ذلك ، فقط في الكوليج دوفرانس ، أو " الدراسات العليا " ، أو اللغات الشرقية ، إنما لدى الجماهير ، لتعليمها ثقافات الاخرين ، وليس في المدرسة فقط باضافة ملحق للبرنامج المدرسي ، وإلا فلن يكون لدينا معلمون قادرين على تنفيذ هذه المبادرة ، طالما أننا لا نكونهم إلاّ في " المدرسة الاوروبية " .
وسنكتفي بمثال واحد يعود إلى زمن قريب منا ، وهو مثال الفلسفة ، نتساءل متى أدخل في برنامج " الاستاذية " وخارج الخط الذي يصل بين أفلاطون وهايدجر ، فلسفة تشوانغ تسو ، وفلسفة سنكارا والغزالي .
وأثناء ذلك ، وخارج المدرسة ، لن تعوز الفرص للالتقاء بأولئك الذين يحملون تلك الثقافات : فليس الصينيون غائبين عن أمريكا وأوربا ، ولا الهنود عن إنكلترا ، ولا العرب عن فرنسا ، ولا الترك عن ألمانيا .
ربما كان هذا هو المستوى الذي يجب أن تبدأ منه الاشياء : توجه مختلف نحو المهاجرين الذين يحملون معهم ، واعين أو غير واعيين ، قيم مجتمعاتهم وإيمانهم الخاص .
وهكذا يصبح ممكنا ، في صفوف الجماهير، أن يبدأ التنبيه لوجود الاخر ، والغنى الإنساني الذي يحمله بداخله ، والوعي بأننا نستطيع أن نتعلم منه شياء ، لا أن نبحث من أعلى مركزيتنا الاوروبية ، عن طريق لاستيعابه ، أو تكامله مع انطاطنا :
ـ حيث أصبح العلم علموية .
ـ حيث أصبحت التقنية ، تكنوقراطية .
ـ حيث أصبحت السياسة ، مكيافيلية .
والعلموية : هي شكل من السحر ، أو بالاحرى أصولية شمولية ، تاسست على المسلمة التالية :
يستطيع العلم أن يحل كل المشاكل، أما مالا يستطيع العلم قياسه ، أو يخضعه للتجربة ، أو يتنبأ به فهو غير موجود . وتقضي هذه النظرية الوضيعة ، على الابعاد الاكثر سموا في الحياة : الحب ، الخلق الفني ، والايمان .
والتكنوقراطية : شبيهة بالسير أثناء النوم . فالتقنية من أجل التقنية ، دون أن تطرح اطلاقا مسألة الغايات . وتأسس هذا التفكير من مسلمة تقول : كل ما هو ممكن تقنيا ، مرغوب فيه وضروري.
هذا " العقل " يولد أسوأ اللامعقول . إنه يحتوي على السلاح النووي ، وحرب النجوم ، وديانة الوسيلة .
والميكافيلية هي هذه الحيوانية التي تتصف بها سياسة محددة بتقنية الوصول إلى السلطة ، لاهداف غير الاستجابة لغايات المجتمع الإنساني ، فتوضع الوسائل ، التي تؤدي إلى تحقيق هذه الغايات.
أمن أجل هذا نحن نفخر باستيعاب هؤلاء المهاجرين وتكاملهم معنا ؟ أليس من الافضل أن نضيف إلى إنسانية حقيقية " وعيا بأن فرنسا ، تغني ثقافتها منذ قرون بثقافات مزيج من عشرين عرق ، كما يقول ميشليه أو رينان .
ليست فرنسا " كينونة " سابقة على الفرنسيين . نحن نقول : أجدادنا الغاليين ، وكأننا لا نحمل في عروقنا إلاّ دم " فيرسنجتوري " . أو لا نحمل في ثقافتنا إلاّ هدي " كلوفيس " . إنها اساطير تستخدم حتى اليوم من أسوأ القوميين ، وكأننا لم نكن أيضاً رومانيين عندما استعمروا بلاد الغال ، أو جرمانيين مع الفرانك ، سلتيين مع البروتونيين والغزوات النورماندية ، أو عربا مع ما حمله شعراء الاندلس إلى شعراء التروبادور في الغرب .
ربما توجب علينا كي نحول ـ وعلى مستوى الجماهير ـ درب المفهوم الاستعماري ، إلى درب المفهوم المتناغم للتواصل بين الحضارات ، أن نبدل نظام التصدير الثقافي " للمتعاونين " . لقد حلمت طويلا ، ومن الخطورة أن يمتد هذا الحلم طويلا ، إلى ارسال " متعاون " من أصل آسيوي ، في الالف الثالث للميلاد ليقوم بوضع دراسة عن الاجناس التي تعيش في شبه الجزيرة هذه ، الواقعة في " أقصى آسيا " والتي تدعى أوروبا . وسيكرس عالم الاجناس هذا الذي كونته مبادئ البوذية في السيطرة على الشهوات ، أو على الاقل الحد منها ، تقاريره الأولى عن تقنيات تطور الطمع في عالم ما قبل التاريخ " لهذه القبائل البدائية " ، وتقنيات الترويج والاعلان والتسويق .
وسوف يذكرنا هذا العالم من خلال حرصه على الامانة العلمية في ذكر مراجعه ومصادره أن الصوفيين في أثينا ، وحسب أقوال أفلاطون ، اعتبروا أن الخير هو امتلاك أقوى الرغبات ، وإيجاد الوسائل لاشباعها . ويمكن لهذا العالم أن يضيف أنه وجد في نظام التنمية السائدة في " الحقبة الآثارية " للنصف الثاني من القرن العشرين نظام تنمية مازال يستند إلى مفهوم التنمية عند الصوفيين الاثينيين . لقد نجحت تقنية الطمع " الترويج ، التسويق … الخ " في خلق حاجات نمطية فأفسحت المجال بذلك ميدانيا للمشاريع المتعددة الجنسيات في العالم كله .
وسيلجا من خلال معالجة المظهر الطقسي لوحدانية السوق ، وديانة النمو في المناطق المعمورة ما قبل التاريخ ، إلى دراسة أنماط التربية لهذه العصبة المقدسة من التكنوقراطيين ، وأساتذة الحلقات الدراسية الجشعين ، والتلفزيون ووسائل الاعلام الاخرى ، انطلاقا من عقيدة اساسية : استبعاد كل ما يتعلق بالسؤال " لماذا ؟ "، وبالغايات الاخيرة للإنسان ، وسيصل من خلال بيولوجيا عصرنا ، مستفيدا من أبحاث لا يوري ، إلى نتيجة تفيد بأن تفوق شبه الجزيرة ، لم يكن نتيجة شيء آخر غير " دماغها الضخم " .
وسيتحدث لنا هذا العالم " المستغرب " ، " عن الاستشراق " هذه الحقبة ذات المركزية الاثنية ، وسيكون قرار اتهامه قاسيا ، وربما عموميا جدا ، لكنه مبني على بعض الامثلة المشهورة ، إنما مع الاسف ، بلا تعليل .
على سبيل المثال : كان المستشرق الأول ، سيد المستشرقين ، سيلفستر دوساسي الذي أطلع غوته على حضارات الشرق ، هو نفسه الذي كتب بيانات بـ ونابلرت عند غزوه مصر ، وبيانات الجيش الفرنسي عند غزوه الجزائر .
أما ماكس موللر ، وهو أحد الرجال الاكثر اهمية في تاريخ الاستشراق التقليدي ، فقد نظم في كامبردج فصولا دراسية بهدف اعداد إداريين انكليز للعمل في مستعمرتهم الهند . وكتبت السيدة روث بينديكت ، كتابها الجميل " السيف والاقحوان " عن اليابان ، بأمر من المكتب الحربي للجنرال ماك آرثر ، بغية الوصول إلى شكل افضل لدمج اليابان في النظام السياسي الأمريكي .
ويخشى أن تتحول هذه الفكرة المرعبة عن الاستشراق " إلى استغراب " ، أي الوقوف في موضع ينظر منه إلى الغرب بالمجهر ، بما يشبه فعل علماء الحشرات الذين يواقبون حشراتهم بالمجهر ، وكما نظر الغرب حتى الآن إلى البلدان غير الغريبة .
انطلاقا من التعامل مع المهاجرين يجب أن لا يبدأ تبديل التوجهات نحو الثقافات الاخرى في المدرسة أو الجامعة ، بل بين الجماهير ، منطلقين من المثالين اللذين أوردناهما ، أي المهاجرين والمفهوم أحادي الجانب للمتعاونين .
ولن نستطيع النفاذ إلى التعليم المؤسساتي إلاّ من " الاسفل " ، لان الحكومات ، اليسارية منها واليمينية والاحراب ، وحتى الطبقة الدينية ، لا يذهب أحد منها في هذا الاتجاه .
 وسيكون الأمر  نفسه بالنسبة للتاريخ الذي تحدث عنه بول فاليري في كتابه " نظرات على العالم المعاصر " حين يقول :
" التاريخ هو الانتاج الاخطر لكيمياء المثقف " ، فهو يجعلنا نحلم ، ويجعل الشعوب تتمثل ما يولد لديها من ذكريات كاذبة ، ويفجر ردود أفعالها ، ويلامس جروحها القديمة ، ويعذبها في فترات راحتها ويقودها إلى معاناة آلام العظماء ، أو آلام الاضطهاد ، ويعطي الأمم المرارة ، والعجرفة باطلة وغير محتملة .
ويبرزون من التاريخ ما يريدون تبريره . إنه لا يعلم شيئا على الاطلاق لانه يتضمن كل شيء ، ويعطي أمثلة على كل شيء " .
وقد رأينا سابقا الدور الذي لعبه التاريخ الرسمي في الآيديولوجيا القومية .
ويلعب نفس الدور في تبرير الاستثنائية الغربية ما داموا يقدمون لنا بشكل منسق ، معارك الماراتون ، وبواتييه ، مشوهة إلى حد كبير، فيتحدثون عن انتصارات خادعة للغرب على الشرق . فبعد قرن من نزاع الماراتون الذي افرط هيرودوت كثيرا في تقدير اهميته ممالأة للاثينيين ، الذين نقدوه أجوره فورا كما أوحى بذلك بلوتارك ، املى تيرميباز عام 386 باسم كسرى الفرس ، وبلغة السيد شروطه على المدن اليونانية بكثير من التعالي الذي أغضب ايزوقراط فخطب يقول:
" إنه هو الذي ينظم شؤون اليونان ، ويأمر بما يجب أن يفعله كل واحد منهم ، ويمانع تماما في تأسيس الحكومات في المدن .. ألن ندعوه بعد ذلك بالملك العظيم ، وكأننا سراه ؟ " .
وبعد قرون من معركة بواتييه ، كان العرب في ناريون ، فزحفوا مجددا إلى وادي الرون ، تشهد على ذلك كتابات لها طابع صوفي في كاترائية بوي وستصبح قراطبة خلال ستة قرون مركز الاشعاع الثقافي في أوروبا كلها ، ومركز اشعاع علمي كما يشهد بذلك روجر بيكون ، وشعري ، كما يشهد بذلك شعراء التروبادور في الاوكسيتاني ، وكذلك دانتي .
أما الجزء من البناء النفعي للتاريخ والمتعلق بالغايات السياسية ، لمرحلتنا المعاصرة ، فهو أكبر من سابقه بكثير ، لانه يسعى لتبرير ـ كمثال ـ الافراط في التسليح والهيمنة الاقتصادية . انهم " يفبركون " تاريخا للعدو كي يجعلوا منه شيطانا : كان الاتحاد السوفيتي، مثلا هو امبراطورية الشر ، وبعد انهياره وجد بوش في الإسلام بديلا لهذا الشيطان ، كي يجد مبررا لانتهاج نفس السياسة .
وبالمقابل فقد " الفوا تاريخا مقدسا " ، كان في البداية تاريخ العبريين ، ثم استأثر به المسيحيون الذين أرادوا أن يصبحوا هم ورثة هذا التاريخ ، كي يبرروا حروبهم الصليبية واستعمارهم للشعوب الاخرى .
يجب أن تعاد كتابة التاريخ ، لا من قبل هؤلاء المؤرخين الذين كونتهم هذه المدرسة ، وإنما انطلاقا من تبديل حقيقي في علاقات الشعوب ، وبشكل خاص مع الشعوب غير الغربية .
ويجب أن يترجم هذا الاقصاء الضروري للمركزية الاثنية الغربية ، عن مناهج التعليم ، إلى اعتراف بمنجزات كل شعب في مسيرة أنسنة الإنسان . ولكننا سنرى فيما بعد أن المدرسة لا تكفي وحدها للوصول إلى هذا الهدف .
ويلعب التاريخ الرسمي دورا قاتلا . وسوف نرى ذلك جليا عندما نتذكر كل الابداعات الصينية والهندية والاسلامية ، وكلها سبقت الغزو الغربي للعالم ، والذي وضع كل هذه الابداعات في خدمة ارادته في القوة والثروة .
إن التاريخ الرسمي الذي يعلموننا إياه في المدرسة أو في الموسوعات ، قد كتب دائما من قبل الغزاة . كانوا دائما يسعون لتصوير هيمنتهم ، أنها إنتاج تفوق ثقافتهم ، وليس فقط أسلحتهم . وفي وسط كل الاحتمالات الإنسانية ، فلم يحكى لنا إلاّ عن المنتصرين ، وعن التاريخ باعتباره تاريخ الهيمنة والسيطرة .
وينقسم التاريخ ، حسب المنظور الغربي إلى مراحل تحددها الاكتشافات التقنية . ويمكننا تقسيم حتى ما قبل التاريخ إلى عصر الحجر المقطوع ، وعصر الحجر المصقول ، وعصر البرونز، وعصر الحديد . وبهذا المنظور نفسه ، يدعون أن التاريخ الحديث بدأ عام 1492 ، مع بدايات الاستعمار ، ثم هناك عصر الآله البخارية ، والكهرباء ، ثم الذرة .
إنه المقياس الوحيد للتقدم والهيمنة ، لأن تقسيم التاريخ إلى عصور بدأ مع تشكل الإمبراطوريات ، ووجود سلالات حاكمة : في مصر أو الإمبراطورية الرومانية ، التي بنت لنفسها سدا ضخما من الحصون والجيوش ، واعتبرت كل من هو خارجه من البرابرة .
وماذا لو اختاروا معيارا آخرا ؟!
مثلا ، ولكي لا نذكر إلاّ ما ترك أثرا باقيا : الفن ، لكانت التواريخ ، والطبقات الحاكمة شيئا آخرا.
عندها يصبح رسم لحيوان البيزون للاسكو معاصرا لاقواس ماتيس ، ولوحة رولو صينية من عصر سونج في القرن الثالث عشر تكون متقدمة أو متخلفة عن أعمال روشنيرغ أو آندي فاروك ؟ وكاتدرائية تشارترز ، أليست ـ إنسانيا ـ اكثر تفوقا وأسمى من أعمدة بورن في القصر الملكي؟
أيستأهل باني تاج مجل " تغليفا " من كريستو . أين سيكون موقع الرامايانا في تسلسل التاريخ والطبقات ، بالمقارنة مع ملاحم طرزان وبطولات لا التسرمينيتور الماحق ؟ واين سنضع بروميثيوس لأسكيلوس بالمقارنة مع كتاب " سوف أبصق على قبوركم " لبوريس فيان .
وستتغير معايير التقديم أيضاً ، لو قارنا الاخلاق ببعضها وكذلك الديانات ، ولدينا عنها الكثير في الآثار المخطوطة .
ولدينا هنا أيضاً ، واحدة من اهم الثغرات في تعليمنا . لقد خلط مفهوم خاطئ للعلمانية في العلاقة بين مؤسستين : الكنيسة والدولة ، حيث اعتبر فصلهما عن بعضهما في فرنسا غزوة كبرى شهدتها بداية القرن ، وكذلك قاد خطأ في مفهوم آخر إلى الفصل بين بعدين للانسان : الايمان الذي هو بحث عن الغايات الاخيرة للحياة ، والسياسة التي هي اعمال الوسائل لتحقيق الغايات ما قبل الاخيرة والاكثر " بشرية " .
حرم هذا المفهوم المدرسة من التفكير بالغايات ، بحذفه نصوصا دينية أحادية الجانب (وهذا امر جيد لانه ضد المذهبية الضيقة لديانة ما) . ولكنه حذف مع هذا الاجراء كل النصوص المقدسة ، من الباجادافيتا إلى أنبياء إسرائيل ، ومن الانجيل إلى القرآن .
وليس من ضرورة لتضمين هذه النصوص في برنامج مدرسي ، لاننا لن نجد إلاّ القليل من المعلمين القادرين على التجرد عن الانحياز إلى دياناتهم الخاصة ، أو إلحادهم ، كي يستطيعوا مساعدة الطالب على التأمل في الغايات الكبرى التي تتوج كل الثقافات . المطلوب وضع هذه النصوص في متناول اليد ، في قاعات مخصصة لهذا الغرض يؤمها البالغون من كل الاعمار ، ومن كل المستويات الثقافية ، وسيتكون هناك معلمو المستقبل ، للتدريب على هذا التأمل للغايات الاخيرة ، أو على الاقل لخلق مواطنين واعين لمشكلة معنى الحياة .
2 ـ الفنون " التاريخ المقدس " للإنسانية " .
إن التدريب على هذه المسألة ، التي تجعل من الإنسان انسانا ، يمكن أن يتحقق أيضاً عبر الاعمال الفنية . ففي كل لحظة ينكسر فيها التاريخ ، تشع أمام الإنسان مجموعة من الاحتمالات تنتشر كالمروحة ، حيث ينتصر احتمال واحد فقط ، وهو ما يسجله التاريخ . أما الاحتمالات الاخرى ، فليس لديها شهود ، إلاّ أعمالا تنبئ عن المستقبل . ولا نتحدث هنا فقط عن أعمال العالم المستعمر ، التي كان مكانها والى عهد قريب في متاحف الاجناس كاعمال " بدائية " ، مثل الاقنعة الافريقية ، أو البولينيزية ، وانتهاءا بالتكعيبة التي أيقظوها ، أو الفنون الهندوأمريكية التي أعجب بها دوهرر ، والتي أحرقها الاسقف ديغودولاندا بإعتبارها رموزا للكفر ، على غرار محاكم التفتيش ، بينما كان يطالب بأشعار مقدسة ، وكذلك " البويول فو " التي دمرت وكأنها أوثان ، لانها كانت محفورة من الحجر أو التماثيل التي أذابها مرتزقة بيزار في سبائك لانها كانت من ذهب .
وحتى داخل أوروبا فقد ، انعكس الحصار المفروض على الأمم  على المدرسة نفسها إذ لم يكن مسموحا احياء الاعمال التي تطرح مسألة معنى الحياة .
وتوجب انتقاء الخيار الروسي لإحياء دراما الممسوسين عند دوستوفسكي في الاخوة كرامازوف ، أو " الأبله " المهيب ، يسوع الذي بعث في عالم لا يمكن العيش فيه ، وكما هو في دون كيشوت لسرفانتس ، الفارس النبي الذي آمن أن المثالية هي اكثر حقيقة من الواقع . وعلينا انتقاء الخيار الانكليزي لإحياء دراما عصر النهضة عبر شكسبير أو الخيار الألماني مع وليم مايستر لغوته ، أو مع إشعار هولدرلين .
وحتى في الادب الفرنسي ، تفسح الكتب المدرسية مكانا لجان جينيه ، مثلما تعطي لرومان رولان أو برنانو أو مورياك ، وأحيانا مكانا أوسع .
ونادرون أولئك الذين تجرأوا أن يصرخوا أمام ضلالات بوبورج ، المركز الاكثر استقبالا للزوار : الملك عار! ، كما جعله ـ وبكل جرأة ـ الرسام ماثيو أو البروفيسور فورمارولي الذي استنكر ما سمي بـ " سوق الفن ".
من يتجرأ أن يقول خلسة أو همسا ، أن الديسكو بقوة 120 ديسيبل إنما يدخل في تاريخ الضجيج وليس في تاريخ الموسيقى .
سيمضي وقت طويل من القرن الحادي والعشرين ، حتى يجرؤ مؤرخ بعيد عما هو شائع ، وعن التفكير الاحادي ، والارهاب الثقافي ، أن يقيم الثلث الاخير من القرن العشرين من منظور الثقافة ، مثلما استطاع التلفزيون ، والحانات ، وصالات العرض ، أن يقنعنا بأن نيكي دوسانتغال كان نحاتا وبرنارد هنري ليفي كان فيلسوفا ، وأن كونينج كان رساما ؟
إنه عدوان تحت شعار الحداثة المزعوم ، طالما هناك " أطفال شيوخ " يحملون أفكارا بالية ، يشوهون ساعة اللوفر في باريس ، والقصر الملكي ، أو الجسر التاسع بمساعدة وزراء معادين للثقافة .
يجب أن يبدأ تكوين الحس الجمالي الحقيقي لدى الإنسان من المدرسة ، ومنذ الطفولة. ويجب أن يكون لتعليم القراءة والكتابة والحساب واستخدام النظام الآلي ، والهدف عدم تراكم المحفوظات ، لإفساح مكان للروح الخلافة بدلا من الآلة ، إذ يمكن للآلة أن تمارس أفضل منا ، كل مناهج الحفظ والتركيب ، ماعدا العمل الخلاق الذي يعطي لكل أفعالنا غايات كونية .
ولكن التربية ، لا تستطيع حتى في بنيتها أن تنمو منفردة في المدرسة ، ولا في السنوات الأولى من العمر فقط .
ولقد أصبح تطور العلوم والتقنيات المختلفة ، والعلاقات فيما بين الافراد والشعوب على مستوى العالم سريعا جدا ، بحيث نستطيع القول أن رجلا في الثمانين من عمره قد ولد في وسط التاريخ الإنساني ، إذ أن ما حدث من تطور في هذا القرن ، أكبر من ستة آلاف عام من التاريخ البشري.
ولنضرب مثالا على ذلك : يمكن لأستاذ في الطب وصل إلى عمر الثمانين أن يقول لي : أنا لم أتعلم كتلميذ أكثر من 3 % من المعارف التي استخدمها اليوم . ويمكن لفيزيائي ذرة من نفس العمر ولكنه معاصر لعلوم فيزياء الذرة الآن ، أن تكون معلوماته مساوية لمعلومات فيزيائي ذرة في الخمسين من عمره ومعاصر للعلوم ذاتها .
ولن نتحدث عن طلبة عام 1968 الذين وضعوا على مدخل السوريون لافتة كتبوا عليها : " كلية الآداب والعلوم اللاإنسانية " ، وهم محقون في ذلك .
إذن لا يمكن أن تبقى المدرسة محددة ببداية حياة الإنسان فقط ، بل لابد من وجود فترة تكون فيها الحاجات الإنسانية مشبعة ، من خلال عمل يمتد ثلاث ساعات يوميا فقط . عندها تستطيع المدرسة أن تمتد على مدى العمر كله لتخلق شعراء في كل الفنون وتلبي أعلى احتياجات الخلق لديهم .
ويجب أن يتكون التدريب ، بدءا من تدريب العمال اللازمين للصناعة ، مرورا بتشكيل الكوادر الفنية والباحثين ، هناك حيث يكون تكوين المعرفة تحويلا مستمرا : في المصنع ومراكز الادارة ومراكز الابحاث في جبهة خلاقة ، من العمل الإنساني متجددة باستمرار .
أما المدرسة ، بما هي عليه اليوم فهي مؤسسة بالية ، تتصل باحتياجات مرحلة معينة من التاريخ ، ولكنها لا تلبي الاحتياجات الحقيقية للإنسان .
وهذا هو السبب الرئيسي لسخط التلاميذ والطلبة شأنهم في ذلك شأن المعلمين والمدرسين ، ولن يستطيع أي " إصلاح " لهذا النظام أن يجعل منه أداة لتكوين المستقبل .
والمبادرة في الفعل الخلاق ، لها مكانتها المميزة في الفنون ؛ عندما لا تكون هذه الفنون ، زمن الانحطاط ، انعكاسا للفوضى المحيطة ، أو تمردا سلبيا عليها .
ومن المهم أن نتذكر دوما الدعوة الاساسية للفن : خلق إمكانيات جديدة لتقدم الوحدة الإنسانية . ويتوقف الفن عن كونه فنا عندما تغيب عن وعيه هذه الرسالة النبوية ، وهذا النداء للتعالي الإنساني ، لجوهره الصلب والخلاق ، مثلما فعل شعراء المهابهارتا ، ورسوم تاو الصيني ، والرهبان الذين ترجموا الحماسة الصوفية رسما ولونا ، ومثل روبيليو الذي أبدع أيقونة الثالوث ، ومثل الذين أبدعوا معبد بوروبودوار ، ومساجد قرطبة وكاتدرائية تشارترز ، ومثل فإن كوخ المصلوب على صليب الفن . أو سادة التجريد الغنائي مثل مانسييه أو ماتيو .
من سيعطينا من جديد حماسة بروميثيوس منحوتة في لوحة " العبيد ، مقيدين " لمكلانج ، أو التركيز على الكينونة " للحي اليقظ " لبودادوماتورا .
ومن المحتمل أن توضع أيضاً خارج المدرسة أو باستخدام تقنيات النسخ الدقيق ، وفي أيدي الجميع نسخ من الاعمال لنحاتين من كل أنحاء العالم باستخدام خلائط من الصموغ التركيبية التي تسمح بنقل المعالم بدقة نظام الميكرون . وستسمح لنا أعمال كهذه ، توضع تحت ناظرينا على الدوام ولا تكلف اكثر من ثمن وجبة طعام ، أن نتخلص من سموم موجات الرعب ، و " التأثيرات الخاصة " ، وأعمال العنف التي ترسلها هوليود إلى شاشاتنا الصغيرة ، فهذا النوع من المشاهد ، يدمر الفكر الناقد ، ليس أمام الحلم ، وإنما أمام الكابوس الامريكي ، بما يحلمه من أوهام بشعة في مسلسلات دالاس ، ورعب الديناصورات ، ورجال شرطتهم ، أو " التأثيرات الخاصة " ليوم الاستقلال الخالية من كل إنسانية .
3ـ السياسة وغائية الإنسان :
لا نرى هذا الكابوس فقط على شاشاتنا ، إنما في قلب الحياة ذاتها ، وعلينا أن نصارعه في هذا الميدان بالذات . عندها لا تصبح السياسة إلاّ الظاهر من باطن الفنون والايمان .
إن نية الولايات المتحدة في الهيمنة على العالم كله ، أصبحت واضحة جدا ، (عن طريق تدمير الحياة التي يزعمون أنهم يصدرونها ويفرضونها على العالم كله) ، وتثير غضب العالم بأكمله . وحتى أوروبا ، التي تشاركها في امتيازات الغرب ، بدأت تستيقظ من خدرها الطويل الذي منعها من أن تعي أنها بدأت تصبح تابعا إن لم تكن مستعمرة .
ويملك القادة الاسرائيليون ، الملهمون للسياسة الأمريكية وسادتها ، القدرة للوصول إلى الرأي العام في البلدان الدائرة في فلك الولايات المتحدة ، عن طريق وضع اليد على وسائل الاعلام من السينما إلى النشر ، ومن الراديو والتلفزيون إلى الصحافة المكتوبة . ويستطيعون بهذا الشكل أن يموهوا ولو لفترة من الزمن ، الانحرافات القاتلة في السياسة الأمريكية ، الهادفة إلى الهيمنة . وقد رسموا لها أهدافها المتعاقبة : العراق لتدميره أولا بالسلاح ، ثم بالحصار الذي قتل من البشر اكثر مما قتل السلاح ، وهم يطمعون بعد العراق ، في فرضها على إيران ، وليبيا ، وكوبا ، وكل الدول التي ترفض إملاءات صندوق النقد الدولي ، القاتلة لكل الشعوب .
كانت الشيابا في المكسيك ، الانتفاضة الأولى ، وهي نمط من الانفجارات الاجتماعية التي تقع بسبب سياسة الحرية الاقتصادية التي تسمح للاقوياء بالسيطرة على الاكثر ضعفا واستغلالهم . كما تبدت بأعمال العصيان ضد سياسة صندوق النقد الدولي التي تتطلب إضافة إلى الخصخصة وكل الاجراءات التي تسمح للولايات المتحدة بغزو البلاد الخاضعة لإملاءات الصندوق ، تتطلب ضغط الانفاق الاجتماعي ، بهدف تسديد القروض وفوائدها .
وأخذت المقاومة اتساعا خاصا في المكسيك ، لأن سياسة الهيمنة فرضت عليها بموجب اتفاقية التبادل الحر " المعروفة باسم ALENA  بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك ، والتي ألغت كل قيود التبادل التجاري والاستثمار .
لنتذكر معا علاقة القوى الاقتصادية بين البلدان الثلاثة :
            الولايات المتحدة      كندا        المكسيك
التصدير " بمليارات الدولارات "  8 , 393           7 , 127   2, 27
الاستيراد " بمليارات الدولارات " 8, 494            7, 116    4, 38
وأخذ العجز التجاري للمكسيك مع الولايات المتحدة  يتصاعد بعد رفع الحواجز ، سنة بعد سنة . وتتوقع المادة 102 من الاتفاقية :
1ـ إلغاء العقبات في وجه التجارة ، وتسهيل حركة الممتلكات والخدمات .
2ـ تشجيع ظروف المنافسة الشريفة .
3ـ الزيادة الجوهرية في فرص الاستثمار .
إذ لا تكتفي المعاهدة بالتبادل التجاري ، فالاستثمار يشكل جزءا من الاتفاق (المادة 103) الذي ينص أن يمنح كل بلد العضوين الاخرين ، شروطا تفضيلية للاستثمار على الاقل بنفس القدر الذي تتمتع به الاستثمارات المحلية ، وذلك فيما يتعلق بالتأسيس ، والتملك ، والتوسع ، والادارة ، والبيع ، وكل الاحكام الاخرى التي تتعلق بالاستثمار .
اتجه 60% من رأس المال الاجنبي في المكسيك إلى اسواق البورصة ، وكرس ما تبقى منه (40 %) لشراء المشاريع الحكومية التي أخضعتها الحكومة للخصخصة .
ولم تكن النتيجة فقط أن رأس المال الأجنبي، لم يؤسس أية صناعة جديدة ، ولا فرص عمل جديدة ، إنما العكس هو الصحيح ، فقد أدت الخصخصة إلى انخفاض فرص العمل . أما الارباح التي تتحقق بسرعة في البورصة ، وكذلك تبخر رأس المال فهما خاضعان لظروف اليوم الواحد . فما أن تحدث مشكلة صغيرة ، أو تنخفض الارباح ، حتى تفر الرساميل بسرعة من البلاد ، لقد ادى اعتماد الاقتصاد المكسيكي على رأس المال الاجنبي إلى فقدان البلاد لسيادتها .
فاد الفارق الكبير في مستوى التطور بين المكسيك من جانب ، وكندا والولايات المتحدة من جانب آخر ، إلى لجوء الرساميل الاستثمارية الاجنبية للعمل منفصلة عن رأس المال الوطني ، مستخدمة تجهيزات تقنية اكثر تطورا من التجهيزات المحلية ، مما دفع بالمشاريع الوطنية إلى التوقف عن العمل واختفاء الايدي الماهرة العاملة في هذه المشاريع .
أما ما يتعلق بالزراعة ، فقد قادت الاجراءات التي اتخذتها المكسيك ، لتصبح مؤهلة للمشاركة في اتفاقية (ALENA ) إلى تعديل اجراءات واحكام انتقال الأرض ، وتنظيم الملكية الزراعية التي حددها الدستور ، فتحت مزاعم زيادة الانتاجية وفق منطق الحرية الجديدة ، توجب على الفلاحين مواجهة الملكيات العقارية الضخمة ، والشركات متعددة الجنسيات العاملة في ميدان الزراعات الغذائية ، ففقدوا بذلك وسيلتهم الوحيدة للقوت .
وفي سياق هذا الوضع ظهر جيش زاباتا للتحرير الوطني .
كان منع المساعدات المالية عن الانتاج الزراعي بموجب المادة 704 من اتفاقية (ألينا) . قد ترك المنتجين المتوسطين في المكسيك دون فرص أو إمكانية لمجاراة الزراعة الواسعة في الولايات المتحدة وكندا .
ونورد في هذا المجال جزءا من خطاب ألقاه احد قادة عمال النسيج المكسيكيين في المؤتمر الدولي للعمل في سان فرانسيسكو (1995) :
" ينكر القانون الجديد على كل العاملين المكسيكيين حقهم في الاضراب للمطالبة بزيادة الاجور . وأما المسموح به فهو فقط الاضرابات المتعلقة بالاخلال بنصوص العقود .
وتخضع المكسيك كلية ، لإتفاقية (ألينا ALENA  ) وبدأنا نشهد إغلاق مئات المشاريع الصغيرة . لقد قبل لنا بأن " معلمي " هذه المشاريع لن يستطيعوا بعد الآن مجاراة المنتجات الاجنبية . واذا أردنا أن نساعد أصحاب هذه المشاريع كي تستمر توجب علينا نحن العمال أن نتعاون معهم . ثم استخدم التهديد بإغلاق المصانع لفرض تنازلات على العمال ، تنازلا بعد الآخر ".
وطبقا لنصوص (ألينا) فقد جرت سلسلة من عمليات الخصخصة للمشاريع الوطنية والخدمية .
كما تكاثرت الاتفاقات الانتاجية بين الحكومة وأصحاب المشاريع والنقابات الرسمية .
لم يقتصر اتفاقيات (التعاون) هذه على القطاع العام والخاص الانتاجيين ، بل أمتدت إلى قطاعي الصحة والتربية . فقد ارتفع عدد طلاب الصفوف المدرسية عمّا كان عليه ، وجرى الأمر  نفسه بالنسبة للأطباء والممرضين والممرضات العاملين في الدولة ، إذ ضوعفت واجباتهم تقريباً ، مما أداى إلى انحدار مستوى الخدمات الصحية ، بشكل درامي . أما الاجازة المرضية للعاملين فقد ألغيت .
إن التنافس بين بلدين غير متساويين يؤدي إلى تدمير الاضعف منهما ، وهو منطق فقط الاربعة وعشرون مليارديراً مكسيكيا (فوق المليار دولار) .
وتولد هذه الخبرة الاولية التي نستخلصها من قيام التبادل الحر بين بلدان قوية اقتصاديا ، وبين بلدان ضعيفة بسبب تبعيتها ، تولد ما سوف يحدث على مستوى العالم كله ، فيما لو نجح القادة الأمريكان في (عولمتهم) الاستعمارية .
كما تهدينا التجربة نفسها إلى دروب التحرير : وحدة كل القوى العاملة ، والفكر المعادي للاضطهاد.
كانت جماعات هندية قد حملت السلاح في شيانا في 1 / كانون الثاني 1964 باسم (جيش التحرير الزاباتي) . وزاباتا هو اسم القائد الموهوب للعصيان الهندي الفلاحي الأول عام 1911 ، حيث أعطت المقاومة من خلاله ، الامل لكل المضطهدين .
تلقت الحركة مساندة طيبة من أسقف شياباس (شياباس ، هي المدينة التي دافع أول أسقف فيها ، عن الهنود بعد الغزو بقيادة كورتز) .
كان اسقف شياباس هو المونسينيور سامويل رويز قد وصل إلى شياناس عام 1965 . وشارك عام 1968 في مؤتمر أساقفة أمريكا اللاتينية الذي ولدت من خلاله لاهوتيات التحرير . وفي عام 1975 نشر المونسينيور رويز كتابه " اللاهوت الانجيلي للتحرير" الذي قدَّم فيه المسيح يسوع كنبي ثوري ، وأنشأ في أبرشيته 2600 مجموعة قاعدية ..
إن وضع منصب ذو طبيعة معادية للعنف ، في خدمة جيش زاباتا دفع الحكومتان المكسيكية والامريكية في آن واحد إلى اتهامه بإثارة الهنود ، ثم طلب البابا يوحنا بولس الثاني عن طريق مبعوثه البابوي في مكسيكو ، من الاسقف أن يقدم استقالته . ولكن الحكومة المكسيكية وأمام اتساع الحركة المسلحة ، وجدت نفسها مرغمة على الاستعانة به كوسيط . لذلك بقي في منصبه ، وشرح في مؤتمر عام أسباب العصيان ، فقال :
" لقد تعب السكان الاصليون في البلاد من الوعود الحكومية ، واعتقدوا أنه لم يبق أمامهم طريق آخر إلاّ حمل السلاح . لقد دُفعوا دفعا لينفد صبرهم " .
يعود تركيزنا على المكسيك إلى ثلاثة أسباب :
1 ـ لا يمكن فهم الوضع الحالي للمكسيك خارج السياق التاريخي لأمريكا اللاتينية ، والتوسع الاستعماري للولايات المتحدة ليشمل القارة بأكملها . ويرسم وضع المكسيك المسار الاكثر نمطية لتاريخ بلدان أمريكا اللاتينية .
2ـ تعتبر الازمة الحالية ، الظاهرة الأولى التي تحمل دلالة فعلية على انهيار تدريجي لنمط الليبرالية الجديدة ، المرتكزة إلى وحدانية السوق بسبب تناقضاتها الداخلية . وبسبب المعارضة المتزايدة للشعوب التي فرضت عليها . وما انتفاضة الشياباس إلاّ نموذج لما سيحدث آجلا أم عاجلا في عالم المضطهدين كله .
3 ـ أنشأت اتفاقية (آلينا) " وهي نفسها اتفاقية ناقية بلغة الاطلسي " ، سوقا حرة بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك ، مستلهمة نفس المنطق الذي أوحى إلى أوروبا بوضع معاهدة مايستريخ ، وبعبارة أكثر عمومية بنفس المنطلق التجاري الحالي الذي تريد الولايات المتحدة فرضه على العالم كله .
ومنذ ذلك الحين ، أخذت حركة شياباس النموذجية ضد الهيمنة الأمريكية ، أبعادا جديدة .
قرر كلنتون لأسباب انتخابية قذرة ، وهي منافسة الجمهوريين في قاعدتهم الانتخابية ، عن طريق كسب أصوات الكوبيين المعادين للثورة ، والاقوياء في ولاية فلوريدا ، إلى تشديد الحصار على كوبا بتنفيذ القوانين التي وضعها الجمهوريون أنفسهم وبشكل خاص القانون المعروف بـ هلمز ـ بورتون ، والذي يعاقب المؤسسات الاجنبية التي تنشئ استثمارات لها في إيران  وليبيا . ولم يثير الاجراء غضب ضحاياه الاوائل من أبناء الشعب بسبب تدخله في المكسيك فحسب ، بل أثار أيضاً غضب شركات متعددة الجنسيات لها استثمارات في كوبا " كما في إيران  وليبيا " .
وإنه لأمر ذو دلالة أن قانون هلمز ـ بيرتون الذي أقره الكونغرس بمبادرة من الجمهوريين في 3 كانون الثاني 1996 ، قد وقعه كلينتون في 12 آذار والقاضي بفرض عقوبات دولية ضد حكومة فيدل كاسترو، بغية المساعدة في وصول وشيك وبالطريق " الديمقراطي " لتشكيل حكومة جديدة في كوبا .
ويكشف هذا الموقف عن خداع ودجل ما يسمى بالتعددية الحزبية في الولايات المتحدة ، إذ يحكمها بشكل دائم حزب واحد ، هو حزب المال (ويكشف دخول الملياردير روس بيرو حلبة الانتخابات الرئاسية عن حقيقة هذا الخداع . ويحمل قادة حزب المال سواء كانوا ديمقراطيين أو جمهوريين ، الهم الاكبر نفسه ، وهو فرض الهيمنة على العالم كله ، لفتح الاسواق لمشاريعهم بدون عوائق .
وكانت المكسيك التي قبلت نير وعبودية (ألينا) ، هي الضحية الأولى . كانت مجموعة دوموس الاختصاصية بالاتصالات اللاسلكية قد استثمرت في كوبا 700 مليون دولار ، فمنع مديرها مع عائلاتهم ، وحتى أطفالهم من الاقامة في الولايات المتحدة ، منذ أن وضع قانون هلمز ـ بورتون ، موضع التطبيق في 24 آب 1996 .
وهكذا أصبح قانون أمريكي ، له قوة القانون خارج الولايات المتحدة ، تشريعا للعام كله .
ولم يتوقف تدخلهم عند هذا الحد . ففي نفس اليوم أي في 24 آب ، ومن خلال تطبيق نفس القانون الاحادي الجانب ، وجهت ضربة للمؤسسة الكندية شيريت (انترناشيونال) ، فقد تسلمت الشركة إنذارا مدته 45 يوما لتضع حدا لاستثماراتها في مناجم كوبا " وبشكل خاص استخراج ومعالجة النيكل " . واذا تجاوز الأمر هذه المدة دون تنفيذ مضمون الانذار ، ستقوم سلطات البوليس والجمارك بمنع مديري هذه المؤسسة وعائلاتهم من دخول الولايات المتحدة ، علما أن اثنين من المديرين من بريطانيا .
أثار هذا الاجراء غضب حكومة كندا ، لانها الشريك التجاري الأول لكوبا ، إذ يبلغ حجم التبادل بين الدولتين 500 مليون دولار سنويا .
هنا ، تعطينا " اتفاقية ألينا " كل معناها الحقيقي ، إنها التجربة الأولى التي توضح كيف تؤذي الهيمنة الأمريكية  شركائها " الاتباع " .
وأعلنت الحكومة المكسيكية ، يدعمها القطاع الخاص في الاقتصاد المكسيكي رفضها لهذه الاجراءات المخالفة للحقوق الدولية . كما اقترحت الاحزاب الرئيسية الاربعة التصويت على قانون للرد على مثل هذا الاعتداء على السيادة الوطنية . وقال بيان الاحزاب : ( علينا أن نطبق قانون المعاملة بالمثل : " العين بالعين والسن بالسن " ) لحماية المشاريع الوطنية من التوقف بسبب ضغوط خارجية ، ولبناء نظام معونة لمصلحة الذين سيرفضون الخضوع للضغوط الاجنبية .
وحتى حكومة زيديك ، المعروفة بخضوعها التام لأوامر واشنطن ، قامت بالتشاور مع الحكومة الكندية لتشكيل جبهة مشتركة لمواجهة مثل هذه الانتهاكات والتشاور حول الاتفاقية التي تنص المادتان 1105 و 1603 على التعامل بحقوق متساوية بين الاطراف الثلاثة ، في الاستثمار وحرية تنقل رجال الاعمال في الدول الاعضاء ، وهما مادتان انتهكتا بمنتهى الوضوح في قانون هلمز ـ بورتون .
كما قررت الحكومة المكسيكية أن تعرض الأمر على منظمة الدول الأمريكية ، والاتحاد أوروبي ، لدعم هذه الجبهة ومواجهة الاطماع الأمريكية . وكانت منظمة الدول الأمريكية قد عارضت مرارا تشديد الحصار على كوبا .
أما أوروبا ، فقد مستها أيضاً وقاحة القادة الامريكان الذين ينوون فرض قوانينهم على كل " حلفائهم " ، والذين أرادوا أن يجعلوا منهم أتباعا ، كما توحي بذلك النصوص الملحقة بمعاهدة مايستريخ " لا يمكن لأوروبا إلاّ أن تكون الركيزة الاوربية لحلف الاطلسي ".
وأعلن الناطق الرسمي باسم المفوضية الاوربية كلاوس فإن دريا ، معلقا على قرار وانشطن بمنع خمسة من قادة مجموعة الاتصالات اللاسلكية المكسيكية " دوموس " من دخول الولايات المتحدة قائلا :
(إن عمليات كهذه غير مقبولة ، ونحن لن نقلبها ) .
أما على المستوى القانوني ، فالحصانة الدبلوماسية ، والتصرف من جانب واحد ، يشيران إلى مدى انحراف قانون هلمز ـ بيرتون . لقد قررت الولايات المتحدة دون أن تستشير أحدا أن تطبق أحكام القانون بحق مواطنين ليسوا أمريكيين ، وتتعلق بأعمال تجري خارج أرضها . ويجري كل ذلك في الوقت نفسه الذي تدرس فيه الغالبية العظمى من البلدان ، وعبر المنظمة الدولية للتجارة تأسيس قواعد مشتركة لتشجيع التجارة العالمية . وهذا ما دعى إلى ظهور رد فعل أوربي جماعي لرفض هذا القانون ـ قانون هلمز ـ بورتون ، بما فيه الحكومة البريطانية .
وفور الاعلان عن قرار المنع ضد المؤسسة المكسيكية أدلى الناطق الرسمي باسم الخارجية الفرنسية بالتصريح التالي :
" أعلنت الولايات المتحدة في إطار تطبيق القانون المسمى هلمز ـ بورتون ، عن نيتها منع قادة أحد المشاريع المكسيكية من الدخول إلى أراضيها ، بسبب استثمار هذه المؤسسة أموالا لها في كوبا .
إن تصرفا أحادي الجانب كهذا ، والمناقض لقواعد التجارة الخارجية ، غير مقبول . وتأسف فرنسا لتطبيق هذا التشريع الذي تعارضه بحزم ، مثلما تعارضه شريكاتها الاوروبيات . وتقوم الحكومة الفرنسية بالتشاور مع السلطات المكسي

21-05-2008 الساعة 14:03 عدد القرآت 2481    

الإسم
البريد
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جميع الحقوق محفوظة لدار الأمير © 2008