الصفحة الرئيسة البريد الإلكتروني البحث
علي شريعتي/ العرفان الثوريهبوط في الصحراء مع محمد حسين بزيهوية الشعر الصّوفيالمقدس السيد محمد علي فضل الله وحديث الروحعبد المجيد زراقط في بحور السرد العربيقراءة في كتاب التغيير والإصلاحبرحيل الحاجة سامية شعيب«إحكي يا شهرزاد» اهتمام بشؤون المرأة المعاصرةالنموذج وأثره في صناعة الوعيتبادل الدلالة بين حياة الشاعر وحياة شخوصهالشيعة والدولة ( الجزء الثاني )الشيعة والدولة ( الجزء الأول )الإمام الخميني من الثورة إلى الدولةالعمل الرسالي وتحديات الراهنمعرض الكويت الدولي للكتاب 2019صدر حدياً ديوان وطن وغربةعبد النبي بزي يصدر ديوانه أصحاب الكساءتوزيع كتاب هبوط في الصحراء في لبنانإطلاق كتاب هبوط في الصحراءصدور هبوط في الصحراءمتحدِّثاً عن هوية الشعر الصوفينعي العلامة السيّد محمد علي فضل اللهندوة أدبية مميزة وحفل توقيعاحكي يا شهرزاد في العباسيةفي السرد العربي .. شعريّة وقضاياحوار مفتوح مع د. يوسف زيدانمعرض مسقط للكتاب 2019متواليات تراثيةمتواليات صوفيةالتصوف وفصوص النصوص الصوفيةدار الأمير تنعى د. بوران شريعت رضويالعرس الثاني لـ شهرزاد في النبطيةصدر حديثاً كتاب " حصاد لم يكتمل "جديد الشاعر عادل الصويريدرية فرحات تُصدر مجموعتها القصصيةتالا - قصةسِنْدِبادِيَّات الأرز والنّخِيلندوة حاشدة حول رواية شمسندوة وحفل توقيع رواية " شمس "خنجر حمية وقّع الماضي والحاضرمحمد حسين بزي وقع روايته " شمس "توقيع رواية شمستوقيع المجموعة الشعرية قدس اليمندار الأمير في معرض بيروتتوقيع كتاب قراءة نفسية في واقعة الطفدار الأمير في معرض الكويتمشاكل الأسرة بين الشرع والعرفالماضي والحاضرالفلسفة الاجتماعية وأصل السّياسةتاريخ ومعرفة الأديان الجزء الثانيالشاعرة جميلة حمود تصدر دمع الزنابقبيان صادر حول تزوير كتب شريعتي" بين الشاه والفقيه "محمد حسين بزي أصدر روايته " شمس "باسلة زعيتر وقعت " أحلام موجوعة "صدر حديثاً / قراءة نفسية في واقعة الطفصدر حديثاً / ديوان جبر مانولياصدر حديثاً / فأشارت إليهصدر حديثاً / رقص على مقامات المطرتكريم وحفل توقيع حاشد للسفير علي عجميحفل توقيع أحلام موجوعةتوقيع ديوان حقول الجسدباسلة زعيتر تُصدر باكورة أعمالهاالسفير علي عجمي يُصدر حقول الجسدصدر حديثاً عن دار الأمير كتاب عين الانتصارجديد دار الأمير : مختصر كتاب الحج للدكتور علي شريعتيصدر حديثاً كتاب دم ابيضاصدارات مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي
الصفحة الرئيسة اّخر الإصدارات أكثر الكتب قراءة أخبار ومعارض تواصل معنا أرسل لصديق

جديد الموقع

علي شريعتي/ العرفان الثوريهبوط في الصحراء مع محمد حسين بزيهوية الشعر الصّوفيالمقدس السيد محمد علي فضل الله وحديث الروحعبد المجيد زراقط في بحور السرد العربيقراءة في كتاب التغيير والإصلاحبرحيل الحاجة سامية شعيب«إحكي يا شهرزاد» اهتمام بشؤون المرأة المعاصرةالنموذج وأثره في صناعة الوعيتبادل الدلالة بين حياة الشاعر وحياة شخوصهالشيعة والدولة ( الجزء الثاني )الشيعة والدولة ( الجزء الأول )الإمام الخميني من الثورة إلى الدولةالعمل الرسالي وتحديات الراهنمعرض الكويت الدولي للكتاب 2019صدر حدياً ديوان وطن وغربةعبد النبي بزي يصدر ديوانه أصحاب الكساءتوزيع كتاب هبوط في الصحراء في لبنانإطلاق كتاب هبوط في الصحراءصدور هبوط في الصحراءمتحدِّثاً عن هوية الشعر الصوفينعي العلامة السيّد محمد علي فضل اللهندوة أدبية مميزة وحفل توقيعاحكي يا شهرزاد في العباسيةفي السرد العربي .. شعريّة وقضاياحوار مفتوح مع د. يوسف زيدانمعرض مسقط للكتاب 2019متواليات تراثيةمتواليات صوفيةالتصوف وفصوص النصوص الصوفيةدار الأمير تنعى د. بوران شريعت رضويالعرس الثاني لـ شهرزاد في النبطيةصدر حديثاً كتاب " حصاد لم يكتمل "جديد الشاعر عادل الصويريدرية فرحات تُصدر مجموعتها القصصيةتالا - قصةسِنْدِبادِيَّات الأرز والنّخِيلندوة حاشدة حول رواية شمسندوة وحفل توقيع رواية " شمس "خنجر حمية وقّع الماضي والحاضرمحمد حسين بزي وقع روايته " شمس "توقيع رواية شمستوقيع المجموعة الشعرية قدس اليمندار الأمير في معرض بيروتتوقيع كتاب قراءة نفسية في واقعة الطفدار الأمير في معرض الكويتمشاكل الأسرة بين الشرع والعرفالماضي والحاضرالفلسفة الاجتماعية وأصل السّياسةتاريخ ومعرفة الأديان الجزء الثانيالشاعرة جميلة حمود تصدر دمع الزنابقبيان صادر حول تزوير كتب شريعتي" بين الشاه والفقيه "محمد حسين بزي أصدر روايته " شمس "باسلة زعيتر وقعت " أحلام موجوعة "صدر حديثاً / قراءة نفسية في واقعة الطفصدر حديثاً / ديوان جبر مانولياصدر حديثاً / فأشارت إليهصدر حديثاً / رقص على مقامات المطرتكريم وحفل توقيع حاشد للسفير علي عجميحفل توقيع أحلام موجوعةتوقيع ديوان حقول الجسدباسلة زعيتر تُصدر باكورة أعمالهاالسفير علي عجمي يُصدر حقول الجسدصدر حديثاً عن دار الأمير كتاب عين الانتصارجديد دار الأمير : مختصر كتاب الحج للدكتور علي شريعتيصدر حديثاً كتاب دم ابيضاصدارات مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي

أقسام الكتب

مصاحف شريفة
سلسلة آثار علي شريعتي
فكر معاصر
فلسفة وتصوف وعرفان
تاريخ
سياسة
أديان وعقائد
أدب وشعر
ثقافة المقاومة
ثقافة عامة
كتب توزعها الدار

الصفحات المستقلة

نبذة عن الدار
عنوان الدار
دار الأمير وحرب تموز 2006
About Dar Al Amir
Contact Us
شهادات تقدير
مجلة شريعتي
مواقع صديقة
هيئة بنت جبيل
اصدارات مركز الحضارة

تصنيفات المقالات

عملاء حرب تموز
ريشة روح
قضايا الشعر والأدب
شعراء وقصائد
أقلام مُقَاوِمَة
التنوير وأعلامه
قضايا معرفية
قضايا فلسفية
قضايا معاصرة
الحكمة العملية
في فكر علي شريعتي
في فكر عبد الوهاب المسيري
حرب تموز 2006
حرب تموز بأقلام اسرائيلية
English articles

الزوار

9462201

الكتب

279

القائمة البريدية

 

الولايات المتحدة طليعة الانحطاط (الفصل 4 - 5)

((التنوير وأعلامه))

تصغير الخط تكبير الخط

الولايات المتحدة طليعة الانحطاط
كيف نحضر للقرن الحادي والعشرين

بقلم: روجيه غارودي.

نقله إلى العربية: مروان حموي.

( إضغط هنا لقراءة الفصل الثالث )usaflag_290

الفصل الرابع
استعمار أوروبا والعوالم الثلاثة

إيران ، لبنان ، الصومال ، فلسطين ، والبوسنة . وبالأمس باناما ، جرانادا ، ونيكاراغوا ، وغدا إيران وليبيا وكوبا . كل ذلك يحدث بعد انهيار الاتحاد السوفيتي  الذي غير علاقات القوى التي تأسست منذ أن سحق هتلر ، فخلقت عالما ثنائي القطببن .
هل هناك خيط يقودنا لفهم عصرنا ، نعني رابطة داخلية تربط بين كل المشاكل العالمية ، التي تستدعي التدخل العسكري ، وتعميق دور الصندوق الدولي ، والبنك الدولي ، وأوروبا في ظل ما يستريخ ، واستعادة أوروبا الشرقية للنظام الرأسمالي ، والأصولية الإسلامية والمسيحية واليهودية؟
وبعكس ما تفعله وسائل الاعلام ، وخاصة التلفزيون ، التي تخدر الرأي العام ، عن طريق تقديم ألوان مختلفة من النكبات ، وسلسلة من الأعمال المحضرة سلفا " والمعدلة " من مكان إلى آخر ، من تيمور إلى مقاديشو ، ومن سيراجيفو إلى بغداد ، علينا كي نكتشف معنى ذلك أن نضعه في المسار التاريخي للقرون الخمسة الماضية ، قرون الهيمنة المتنامية للغرب على العالم كله .
بعد أقل من ثلاثة قرون من غزو أمريكا ونهب ذهبها ، الذي أعطى لتصنيع أوروبا اندفاعا لا سابق له ، ابتدأت المغامرة التي أصبحت اليوم القوة الاعظم في العالم : الولايات المتحدة .
ورأينا سابقا كيف أن تاريخ الولايات المتحدة قد تميز بعمليتين أساسيتين : مذابح الهنود للاستيلاء على أرضهم ، واسترقاق العبيد لتشغيلهم في المزارع والمناجم .
وتقاسمت الدول الاوروبية بقية العالم بأساليب متشابهة . امتدت حصة بريطانيا من الهند حتى أفريقيا الشرقية والشرق الاوسط ، وكانت حصة فرنسا من أفريقيا إلى الهند الصينية ، ومن المغرب حتى المحيط ، وبلجيكا الكونغو ، واستولى القياصرة على سيبيريا ، واحتلت هولندا أندونيسيا .
وبعد حربين عالميتين ، أعيد توزيع الاوراق من جديد ، بهدف اقتسام العالم بين أولئك الذين شكلوا امبراطوريات ، وأولئك الذين طمعوا فيها . وفقدت أوروبا الدامية ، حيث نزف المنتصرون والمهزومون على حد سواء ، هيمنتها لصالح الولايات المتحدة . فقد كانت الحربان العالميتان مصدر غنى لها ، وجعلاها سيدة العالم من الناحية الاقتصادية ، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ، ومن ناحية سياسية وعسكرية منذ انهيار النظام السوفيتي 1990 .
وما " النظام العالمي الجديد " ، الذي حلم به القادة الأمريكيون إلاّ اسم آخر لسيطرة الولايات المتحدة على العالم .
وأصبح " حق التدخل " هو الاسم الجديد للاستعمار .
أما وقد تخلصت الولايات المتحدة من ثقل السوفيتي الذي أرخص ثمنه القادة السوفيت ، وأكملت عملهم " الدوليات " ، فقد أصبحت الامم المتحدة التي تشكلت من الولايات المتحدة ، ومن مدينيها وزبائنها مركزا لتسجيل الارادات الأمريكية لتخدمها في مسألة تغطيتها قانونيا . وأصبحت الآلة العسكرية العملاقة التي تكونت في فترة المواجهة بين الشرق والغرب ، جاهزة لتنفيذ مهمات أخرى .
ولم تعد أوروبا ، قادرة أن تكون منافسا ، وإنما تابعا . وقالت معاهدة مايستريخ بوضوح، وفي ثلاثة مواقع من نصوصها ، إنه يتطلب أن نجعل منها " الركيزة الاوروبية لحلف الاطلسي ":
ففي الخطة العسكرية ، ستلعب أوروبا من الآن فصاعدا دورا مكملا : من العراق إلى الصومال . وفي الخطة السياسية ، تستسلم لنفس الاوامر : فسياسة السوق الزراعية (PAC  ) ، ستقبل أمام احتياجات منظمة التجارة العالمية ، مثلما قبلت فرنسا في وضع 15 % من أراضيها متروكة دون زرع ، بهدف فتح السوق العالمية أمام زارعي الحبوب الأمريكيين الكبار .
وفي الخطة الصناعية ، نستذكر ما تحدثت عنه جريدة اللوموند في 22 كانون الأول  1992 عن " القلق من الفحم الاوروبي " . ففي عام 1955 ، وبعد توقيع معاهدة روما المنظمة لأوروبا ، تم إحصاء 2 مليون عامل يعملون في مناجم المجموعة الاوروبية ، وهبط عدد هؤلاء العمال عام توقيع معاهدة مايستريخ إلى 250 ألف عامل فقط . أما عن كمية الانتاج ، فقد أنتجت الدول الاثنتا عشر قبل ثلاثين عاما 400 مليون طن ، أما إنتاج عام 1992 فقد بلغ 180 مليون طن فقط . وتعتبر فرنسا الضحية الاساسية لنقص الانتاج ، حيث هبط إنتاجها من 28 مليون طن عام 1973 إلى 12 مليون طن عام 1991 . وهبط الانتاج البريطاني 50 % ، والألماني 40 % . كل ذلك لمصلحة المستوردين الأمريكان والدائرين في ملكهم ، من كولمبيا إلى فنزويلا ، وحتى إلى أندونيسيا .
وفي مجال المعلوماتية ، ترفض منظمات شركة بول التي اتفق على تزويد الطائرات العسكرية الأمريكية بها ، بعد أن رفض العقد المتعلق بها بناء على توجيهات الادارة الأمريكية . وكي تستطيع شركة آ ب . أم ، وهي الشركة الأولى في العالم بين شركات المعلوماتية ، أن تنافس في سوق يسيطر عليها اليابانيون ، بحثت لنفسها في أوروبا عن دور ثان ، لتحل محل المجموعة الألمانية سيمنز التي أقلعت عن تنفيذ هذا العقد .
وفي ميدان صناعة الطيران ، تآمرت شركة لوكهيد مع وزراء يلتسين المعتمدين من صندوق التنمية الدولي ، للحصول على تقنية الصاروخ بروتون المعد لإطلاق الأقمار الصناعية ، من الاتحاد السوفيتي السابق ، وتعهدوا بتحويل الامر إلى مسألة تجارية ، في محاولة ليحل محل الصاروخ الاوروبي آريان .
أما ما تيعلق بصناعة الصلب ، فقد قررت الولايات المتحدة عام 1993 أن ترفع رسوم الاستيراد من تسعة عشر بلدا ، سبعة منهم أوروبيون . وهذه الحقوق الجمركية الاضافية التي فرضتها لنفسها الولايات المتحدة هدفت إلى منع العاملين الأوروبيين في ميدان الصلب من بيع الفولاذ في الولايات المتحدة . كانت الولايات المتحدة منفذا لـ 2 مليون طن أي ما يعادل إنتاج اللورين بكامله ، هذا الإنتاج المهدد بالموت بسبب الإجراء الأمريكي .
وقد أعلنت جنرال موتورز وفورد وكريزلر إجراءا عدوانيا مشابها في صناعة السيارات ، وهذه الحماية الصناعية " الأمريكية أولا " تشير إلى المدى الذي تقوم به منظمة التجارة العالمية في حماية السوق الأمريكية ، وفتح أسواق العالم كله للمنتجات الأمريكية  .
وفي الخطة الثقافية ، استسلمت أوروبا لغزو الفيلم الأمريكي ، والتلفزيون . فمن أصل 250 ألف ساعة بث في أوروبا ، تنتج مجموعة الدول الاثنتي عشرة ، 25 ألف ساعة فقط . أما حصة سوق الفيلم الأمريكي في فرنسا 60 % . وتصبح نسبة العائدات 120 مقابل واحد فقط ، بغية اقتلاع دماغ شعب عن طريق رشقات " الماحق " أو جيمس بوند الذي اخترعته هوليود ، وحصاد دولارات مسلسل دالاس .
أدخلت هذه التبعية الأوروبية ، السياسية والمادية والاخلاقية ، العالم في مرحلة جديدة من الاستعمار . لقد وضعت قوة الشرق وأوروبا خارج اللعبة ، أو أنها أذلت . وأصبح الميدان حرا لظهور استعمار من نوع جديد ، استعمار لا يشبه أشكال الاستعمار الاوروبي المنافس ، والمقهور من الآن فصاعدا ، إنما استعمار مركز وشامل على المستوى العالمي تحت الهيمنة الأمريكية ، إن ميزان قرون خمسة مضت على الاستعمار ، هو ميزان مأساوي ، ففي عام 1993 ، أصبح أربعة أخماس المصادر الطبيعية في كو كبنا تحت سيطرة واستهلاك خمس سكان العالم .
وتتابع اللامساواة اتساعها ، " فبرنامج الأمم المتحدة للتنمية " ، يؤكد أن الفارق بين بلدان الشمال الاكثر غنى ، وبلدان الجنوب الاكثر فقرا قد تضاعف . وهبط الناتج القومي الافريقي ، بالنسبة للناتج العالمي من 9, 1 % إلى 2 , 1 % .
هذا هو ما يدعوه جورج بوش " النظام العالمي الجديد " ، إنه التوسع وتعزيز للعلاقات الاستعمارية بين دولة مستعمرة ، أصبحت من الآن فصاعدا منفردة ، وبين بقية العالم . وتعني العلاقات الاستعمارية بهذا الشكل : تبعية عسكرية وسياسية وجمركية من طرف واحد لتكون في مصلحة المسيطر فقط .
هذا هو الهدف الذي أعلنه القادة الأمريكان مرارا وتكرارا ، وخاصة خلال السنوات القليلة الماضية " أي بعد انهيار الاتحاد السوفيتي " : إنه التأكيد على سيطرة الولايات المتحدة على العالم.
ولكن ما هي الوسائل التي استخدمت لتحقيق هذا الهدف ؟
إنها وسائل متعددة : هناك أولا الاساليب السابقة التي اختبرت في أمريكا اللاتينية منذ زمن طويل ، وعلى الاخص بعد الحرب العالمية الثانية ، منذ " التحالف من أجل التقدم " الذي أعلنه كنيدي ، حتى مبادرة " بوش " من أجل سوق متفردة من ألاسكا وحتى ارض النار .
وآلية العمل بسيطة : فهناك اتفاقيات للإستثمار ، والقروض ، والهبات ، مع دول أمريكا اللاتينية بشكل خاص ، والهدف المعلن مساعدتها في عملية " التصنيع " ، أما الهدف الحقيقي فهو السماح للشركات متعددة الجنسيات لتنمية أرباحها من خلال أعمالها في تلك البلاد ، التي تتوفر فيها اليد العاملة الرخيصة ، كما تقوم حكوماتها بالانفاق على البنى التحتية . وفي نفس الوقت ، تتمتع المواد الاولية القادمة من تلك البلاد بانخفاض أسعارها ، جاعلة بذلك التبادل غير المتساوي يزداد اتساعا، أكثر فأكثر .
في عام 1954 ، كان يكفي الفرد البرازيلي أن يبيع 14 كيسا من البن لشراء سيارة جيب من الولايات المتحدة ، وفي عام 1962 أصبح عليه أن يبيع 39 كيس مقابل السيارة المذكورة .
كان مواطن جامايكا يشتري الجرار الأمريكي ، عام 1964 بـ 680 طنا من السكر ، وصار الرقم عام 1968 ، 3500 طن . لقد تابعت البلدان الفقيرة مساعدتها المالية للدول الغنية .
وتتجاوز فوائد القروض ، القروض الاصلية مرات . ويبلغ عائد كل دولار ، دولارين أو ثلاثة تذهب إلى جيوب الدائن . وغالبا ما تساوي فوائد القروض قيمة الصادرات ، محققة بذلك " التنمية الممكنة " ، إذ ليس هناك ، بهذا المنوال ، بلد " على طريق التنمية " ، كما يسمونه نفاقا ، وإنما بلاد محكوم عليها ببؤس متنام ، من خلال تبعية متنامية .
وتشكل " المساعدات المزعومة " لبلدان العالم الثالث ، أحد العوامل الاكثر تأثيرا لفرض التبعية والتقهقر . إن " المساعدة " المعلنة والمتعددة الاشكال ، 7 , 0 % من إجمالي الناتج القومي للدولة المانحة . ورغم تواضع هذا الرقم ، فإن نصفه هو الذي يمنح فعلا .
ويشكل " تصنيع " بلدان العالم الثالث ، ونقل التكنولوجيا ، وسيلة أخرى للهيمنة وزيادة منافع الدول الغنية .
والمثال النموذجي هو مثال " المعجزة البرازيلية " في التنمية الصناعية ، و " التدخل البيئي " البلدان الغنية في غابات الأمازون .
أما الميزان فهو كما يلي : إن هذه البلاد الأغنى بمواردها الطبيعية هي الاكثر فقرا. إن تراكم الثروة لدى قطب واحد يمثل أقلية ، يقابله حقيقة إن 130 مليون نسمة من أصل 150 مليون ، يرتعون بالفقر، ونصف هؤلاء يعيشون في بؤس مطلق .
إن " التدخل البيئي " ، وهو الاسم الجديد للنهب والسلب الاستعماريين أوضح ما يكون في غابات الامازون . لقد دمرت مجموعة السعة ، أي البلدان السبعة الاكثر تصنيعا ، والاساتذة الفعليين " للإنسانية " ، وبشكل خاص شركات جوديير ، وصلت نيبور ، وفولكسفاجن ، وغيرها ، دمرت ملايين الهكتارات من الغابات ، وأغرقت مئات الألوف من الهكتارات الاخرى من أجل بناء سدود هيدروليكية ، كاستثمار منهجي للكتلة البيئية ، من خلال التعامل مع الغابات ، لتسمح بإنتاج 5 مليار برميل نفط في العام " وهو ما يزيد عن إنتاج العربية السعودية " .
ويوجد لدى الشركات متعددة الجنسيات أهداف أخرى ، نراها من خلال استثمارهم ، و " نقلهم للتكنولوجيا " ، مسألة الإخلال بالتوازن البيئي في إحدى أهم " رئات " العالم : فتحت زعم " المشاريع المشتركة " ، أي إشراك الاستثمارات الوطنية ، تفرض هذه الشركات تقنيتها . فقد أقامت ، مثلا ، سدا عملاقا في مدينة توكوري ، بعد أن محت مئات آلاف الهكتارات من الغابات ، كي تزود بالطاقة الضرورية ، مصانع معالجة البوكسيت ، وهي عملية ملوثة للبيئة إلى حد لا يشجع على إنشاء مثل هذه الصناعة في الولايات المتحدة ، وخاصة أن الحصول على الطاقة من البرازيل ، بسعر 161 دولار للطن الواحد من البترول ، في الوقت الذي يباع فيه في أسواق أمريكياالشمالية بـ 281 دولار .
هذا هو منطق النهابين في كل الاصقاع ، ففي البرازيل تسيطر الشركات متعددة الجنسيات على 85 % من إنتاج الكاكاو و 90 % من إنتاج القهوة و 60 % من إنتاج السكر و 90 % من إنتاج القطن والاخشاب .
وتسيطر الشركات الاجنبية على 80 % من انتاج البوكسيت و 80 % من الاحجار الكريمة و 100 % من انتاج الكوارتز الممتاز ، الضروري لصناعة الالكترونيات .
لقد تم خلق نموذج للتنمية في كل ميادين الاقتصاد : السيارات ، الالكتروينات ، البتروكيماويات .. إلخ ، بالتعاون مع قباطنة الصناعة المحلية ، تكون فيه مراكز القيادة خارج البلاد ، مشكلة بذلك تبعية اقتصادية شاملة .
هذه التبعية الاقتصادية ، وهذه الصيغة المنحرفة للنمو المفروضة على شعب بأكمله ، تستدعي بالضرورة تبعية سياسية مباشرة أو غير مباشرة لضمان تسديد القروض .
" تكرس البرازيل 40 % من عائدات التصدير لتسديد فوائد القروض . أما الارجنتين فتدفع 50 % من هذه العائدات " .
ولكن الخطوة الاكثر ضمانة ، هي إقامة دكتاتورية عسكرية . فأمريكا تمارس سلطتها الاستعمارية أولا عبر الشركات متعددة الجنسيات . فعندما تأكد خطر ظهور سلطة اشتراكية في التشيلي ، اقترحت مذكرة لـ لمنظمة التجارة العالمية استخدام الضغوط الاقتصادية لإسقاط النظام فيها .
ولا يستبعد هذا الاسلوب التدخل العسكري المباشر للجيش الأمريكي ، كما حدث في غواتيمالا عام 1954 من أجل إنقاذ مصالح شركة الفواكه المتحدة ، وفي كوبا عندما نظم كينيدي عام 1961 إنزال خليج الخنازير مع أنصار الديكتاتور السابق باتيستا ، وفي غويانا البريطانية عام 1964 ، وفي الدومينكان عام 1965 ، ثم ما حدث منذ وقت قريب في جرانادا وباناما .
وما هو اكثر فاعلية ، تسهيل قيام ديكتاتورية عسكرية في كل بلد باسم العقيدة الأمريكية في " الامن القومي " ، ضد الشيوعية في زمن قوة الاتحاد السوفيتي . لقد استطاعوا أن يجعلوا الشعوب تؤمن ، أن ارتباطها بالولايات المتحدة سيحمي " الديمقراطية " و " الاستقلال الوطني " ، وهكذا استطاع الجنرالات أن يحكموا البرازيل منذ كاستلوبرانكو عام 1964 ، وحتى جيزيل .
وفي ظل هذه الانظمة ، ومن خلال لعبة تجمع بين التصنيع الذي تنفذه الشركات متعددة الجنسيات الأمريكية  ، وبين التسليح الذي يسمح بممارسة الضغط والارهاب على الشعوب ، لم يتوقف الدين عن الازدياد . فقد ارتفعت الديون بين عامي 1972 ـ 1982 ، من 12 مليار دولار إلى 60 مليار دولار ، أي تضاعف خمس مرات في عشر سنين .
وحده الدكتاتور العسكري ، يستطيع أن يستترف دم الشعب حتى الانهاك .
بلغت قروض الارجنتين 54 مليار دولار ، منها 10 مليارات في ظل نظام الجنرالات .
وبلغ سداد الديون ، وشراء الأسلحة  قبل رئاسة آلان جارسيا 50 % من ميزانية البلاد .
أما رقم الديون في التشيلي أثناء حكم بينوشيه فكان 1500 دولار لكل مواطن . ولكن بينوشيه يحتفظ بسجل آخر أيضاً ، فقد حقق اوسع وأشمل حرية لاقتصاد السوق بما فيها سوق العملات ، من خلال نظام خصخصة مهيأ بذلك شروطا مثالية شاملة للشركات متعددة الجنسيات لتتسلط على اقتصاد البلاد . واستطاع أن يحقق ذلك بضمانة " الديمقراطية الأمريكية " العظيمة .
بفضل هؤلاء الطغاة العسكريين ، أصبح اقتصاد امريكا اللاتينية ذا اتجاه واحد ، تحيط به تبعية سياسية بسبب قوة الضغط السياسي على السلطات ، الذي يتمثل أحيانا كثيرة برفض الاقراض ، أو العزوف عن الاستثمار .
وتابعت الولايات المتحدة ، بعد ذلك هدفها في تحقيق حرية السوق ، بوسائل أخرى ، غير استخدام الطغاة العسكريين .
لقد أصبح مقبولا ، وصول حكام منتخبين إلى السلطة ، مع استبدال الارهاب الحكومي بالفساد . وهكذا شهدنا ارتقاء قادة منتخبين كراسي الحكم مثل كولور في البرازيل ، ومنعم في الارجنتين . وبعد استبدال الجنرالات الخونة ، طلب إلى الحكام الجدد مهمة واحدة هي أن يقوموا بتسديد القروض وفوائدها التي عقدها الطغاة العسكريون ونسيان جرائمهم .
واستطاعت سيطرة صندوق النقد الدولي أن تتجذر بدون مخاطر في هذه البلاد التي قيدتها الديون ، وأصبح اقتصادها في أيدي مؤسسات أجنبية .
ويستطيع صندوق النقد الدولي أن يفرض دون عواقب نظام " تنمية أكثر ملائمة للمتروبول العالمي " ، ليس على العالم الثالث فقط ، بل على العالم كله : ويتمثل هذا التوجه بتنمية زراعات احادية ، ومنتجات أحادية ، والتراجع عن الزراعات الحيوية والحرف الوطنية التي تؤمن للمواطنين قوت يومهم، وتتحقق بذاك التبعية ، والاستغلال المتزايد لليد العاملة ، وتفاقم الديون ، بسبب تضخم الاستيراد .
والنتيجة الاجمالية ، نتيجة قاطعة : فمنذ بداية الثمانينات ، انخفض دخل الفرد في أمريكا اللاتينية 15 % وفي أفريقيا 20 % .
ويحمل نظام الهيمنة هذا اسما شائعا هو " خطة التصحيح البنيوي " وبموجبها لا تمنح القروض والمساعدات إلا في ظل شروط سياسية قاسية . وعندما تطبق برامج صندوق النقد الدولي بحرفيتها في بلد ما ، تتمتع حكومته حينئذ بالمعاملة المتميزة من جانب الولايات المتحدة واتباعها الاوروبيين .
وتتألف برامج " التصحيح البنيوي " غالبا من العناصر التالية : تخفيض العملة " بغرض تشجيع التصدير ، وإعاقة الاستيراد " ، وتخفيض " تنيني " في الانفاق العام ، وبشكل خاص في الميدان الاجتماعي ، أي في اعتمادات التعليم والصحة والاسكان ، والغاء دعم المواد الاستهلاكية بما فيها المواد الغذائية ، وخصخصة مؤسسات القطاع العام ، أو زيادة رسومها " الكهرباء ، الماء ، النقل " ، وإلغاء السيطرة على الاسعار ، و" تنظيم الاحتياجات " ، وبالتالي خفض الاستهلاك ، يدعم ذلك تجميد سقوف الرواتب ، والحد من القروض للمواطنين ، وزيادة الودائع ومعدلات الفائدة ، وكل ذلك بهدف تخفيض آثار التضخم .
تسبب سياسة " التصحيح " هذه انتفاضات ضد تصاعد أسعار الرغيف : كما حدث في المغرب عامي 1981 و 1984 ، وفي كاراكاس عام 1985 ، وفي الجزائر في تشرين 1988 ، وفي الأردن عام 1996 .
وبسبب ازدراء اقتصاديات القوت ، وبشكل خاص الزراعات الحيوية للسكان ، وأفضلية الزراعات المهيأة للتصدير ، وهي المصدر الوحيد للقطع الاجنبي الموجه لتسديد القروض بالدولار ، تنتج الدول التي تتلقى المساعدات ، الكثير مما لا تستهلكه ، وتستهلك مما لا تنتجه .
وهكذا يقوم صندوق النقد الدولي ، والبنك الدولي بتدمير نصف الكرة الجنوبي من الارجنتين وحتى تنزانيا، ومن باكستان حتى الفليبين . وابتدأ الآن بتطبيق هذه السياسية على بلدان اوروبا الشرقية ، بغية تكوين هيمنة سوق عالمية متجانسة ، وحدانية حقيقة للسوق ، مؤسسة على وثنية المال . وقد وضع القادة الأمريكيون ، موضع التنفيذ، أساليب مختلفة حسب القارات والأنظمة السياسية المختلفة .
يستطيع المرء في إفريقيا مثلا ، ان يحصي ثلاثة بدائل رئيسية :
عندما زار الرئيس السنغالي عبدو ضيوف ، الولايات المتحدة في 10 أيلول 1996 ، أعلن هيرمان كوهن ، مساعد وزير الخارجية للشؤون الافريقية ، أن مدة الثلاثين عاما التي حددتها منظمة الوحدة الافريقية لتكامل الاقتصا الافريقي ، فترة طويلة جدا . وقال " نحن نفكر أن إزالة الحواجز التجارية الافريقية يجب ان يتحقق بسرعة . ولأن الرئيس عبدو ضيوف أبدى تفهما لوجهة نظرنا هذه ، فإن الرئيس الأمريكي قرر الغاء 42 مليون دولار من ديون السنغال ".
في الجزائر ، وضعت المسألة بشكل آخر : كان رد الفعل على سياسة صندوق النقد الدولي ، والذي ظهر لأول مرة في انتفاضة الجزائر في تشرين الأول 1988 ، قد وجد تعبيره في حركة الاغلبية الإسلامية التي تعارض بصراحة " وحدانية السوق " . وقد طرحت الجبهة الإسلامية للانقاذ مسألة طيبة ، هي المسألة الأولى في عصرنا : رفض وحدانية السوق ، رفض الليبرالية التي تختلق أسباب " العزل " وتطبق التبعية على أربعة أخماس العالم ، وضياع كل معاني الحياة . إنه سباق يجري لمصلحة قادة البؤس ، وضد العدد الوافر من البشر .
ولأن الحلول التي أعلنت عنها الجبهة الإسلامية للانقاذ لا تشكل مشروعا حقيقا ، أي بديلا صادقا لانحطاط الغرب وهو أن يرفض مبدأ النظام الذي يزعم لنفسه حق الهيمنة على العالم ، معتبرا إياه تجسيدا للشر . ويجب أن لا ينبع هذا الرفض من دواع اقتصادية فحسب " فالجزائر مدينة بـ 12 مليار دولار وتدفع 5 مليار سنويا فوائد هذه القروض " وإنما لسبب آخر  كبير ، سياسي ، وحتى ديني ، بمعنى أن يضع موضع التساؤل غايات المجتمع المؤسس على اقتصاد السوق .
إن ممارسة حفاري قبور العالم للطقوس السرية لوحدانية السوق ، تستدعي حربا حقيقية ضد ديانة ، تتهم بخدمة الشيطان ، كل من يعارضها : وقد حولوا كل معارض لوثنيتهم وهيمنتهم ، مهما كانت مصالحه أو أخطاؤه أو جرائمه ، إلى هتلر جديد، سواء كان أصوليا ، عراقيا ، صربيا أو ساندينستيا ، أو معارضا من البيرو . لقد تقل الديمقراطيون الاصفياء في واشنطن أو باريس بارتياح طرفة برتولد برخت التي أصبحت شهيرة في الجزائر :
لقد صوت الشعب ضد الحكومة . والحل الاكثر بساطة هو " حل " الشعب . ونستطيع استخلاص البديل الثالث من أحداث الصومال ، وقد أخذ هذا البديل اسما يغمرنا بالاحلام : " حق التدخل الانساني " . لنتصور شعبا افريقيا يدعي لنفسه حق التدخل الإنساني للتدخل ضد التمييز العرقي تجاه الزنوج والهنود في الولايات المتحدة بعد الانفجارات الشعبية في لوس أنجلوس " . وهذا الحق الحق قابل للتطبيق ، إذا اعتمدنا المعايير التي استخدمت في الصومال ، في نصف بلدان القارة الافريقية .
يتصف هذا التدخل بانه انتقائي . وقد أوضح الرئيس بوش هذه النقطة بجلاء في آخر  خطاب له في الاكاديمية العسكرية في وست بونت قائلا : " ليس علينا أن نتحرك ، عبر كل حالة من العنف الاجرامي .. إذ لا يجب أن تتعارض مثاليات أمة ما مع مصالحها " .
يكشف هذا التمييز الرئيسي بين " المثال " و " المصلحة " ، لماذا اختلق هذا الحق بالنسبة للصومال . هناك على الأقل ثلاثة أسباب :
ـ أهمية القرن الافريقي في المراقبة القريبة للخليج .
ـ أعمال التنقيب عن البترول الذي تقوم به أربع شركات أمريكية ضخمة ، إذ يتطلب استمرار التنقيب ، وجود سلطة مستقرة وقوية .
ـ وأخيرا ، وعلى الاخص ، إقامة سلطة من الدمى ، تقبل جهارا املاءات أمريكا عبر صندوق النقد الدولي .
ومن الطريف أن المحاولة الخجولة لعدد من السياسيين الفرنسيين الذين يعتقدون أن أفريقيا ما زالت من ممتلكات فرنسا ، لادارة المفاوضات بين المرشحين المحتملين لرئاسة الصومال ، قد استبعدت بنقفة إصبع أمريكية .
هذا هو نموذج التدخل الإنساني ، ذو الدوافع الواضحة للمصالح الأمريكية . ويمكن شرح هذه الانتقائية بأمثلة عديدة : كان ضروريا ، نشر أسطول جوي لحماية الاكراد في العراق ، أما أكراد تركيا الذين يمثلون ثلاثة أرباع الاكراد ، فليس لهم أي حق بهذا التدخل الإنساني . وكذلك الفلسطينيون وشعب هاييتي الذي سقط تحت إرهاب عصابات تونتون ماكوتس ، أو شعب السلفادور الذي أسلم بوحشية إلى " كتائب الموت " .
وتختفي أشكال التدخل الاستعماري الجيد وراء أسماء مختلفة ، غير الدفاع عن الحق الدولي والديمقراطية . ومجزرة الخليج هي المثال الاكثر جلاء . فالدفاع عن الكويت كان دفاعا عن " الحق " و " الديمقراطية " . والحق هو الحق الاقوى .
والآن وقد أعيد بناء " الديمقراطية " في الكويت ، وهي ديمقراطية تشبه بقوة ديكتاتوريات أمريكا اللاتينية . فقد أعطت عودة الاسرة الحاكمة ، بعد الضغوط التي مورست على الفلسطينيين وطردهم ، الفرصة لولادة صورة كاريكاتورية للديمقراطية .
يملك حق التصويت في الكويت 11 % فقط من السكان ، وتنتمي الغالبية العظمى في هذا البرلمان ، إلى المعارضة ، أما الوزراء فينتمون إلى الاسرة الحاكمة . وتستوجب نتائج فساد النظام استخلاص العبر .
يقول رئيس البرلمان الكويتي أن مسؤولية الفضائح المجلجلة ، تقع على عاتق الوزراء الذين تعاقبوا على وزارة المالية منذ عام 1986 .
لقد اختفت المليارات من الدولارات من خزائن الكويت خلال فترة حرب الخليج في فضيحة شركة نفط الكويت ، حيث اختلس ما بين 70 و 900 مليون دولار ، وفي فضيحة شركة نورأس الشركة الرئيسية التابعة لمكتب الاستثمار الكويتي وهو جزء من الجهاز الحكومي ، كشف عن ضياع 4 مليار دولار ، عقب سرقة كبرى للودائع في إسبانيا ، أما فرنسا فقد شهدت إفلاس البنك الكويتي ـ الفرنسي في باريس .
وكانت آخر هدية قدمت لبوش مكافأة على ما فعله في الكويت ، صفقة دبابات إبرامز MIA2  ، وبقيمة ملياري دولار ، في الوقت الذي كان يموت فيه طفل عراقي كل أربع ساعات بسبب الحظر.
أما ما ألقي على العراق خلال الحرب ، فكان أكبر من قنبلة هيروشيما بثماني مرات ، وقد أباد حسب أدنى الاحصائيات التي أعلنها الصليب الاحمر الدولي 210 آلاف ضحية .
هذا هو معيار الدفاع عن " الحق الدولي " ، الذي يحمل معنى وحيد الطرف ، إنه حق لم يعرف الرحمة عندما " ألحقت " الكويت ، ولكنه ينسى إلحاق القدس ، والقدس مدينة مقدسة ، ولكن مدينة الكويت مقدسة ألف مرة أكبر من القدس ، ما دامت تقع وسط حقول النفط .
كان التدمير الكثيف هو الاسلوب الذي استخدم ضد العراق ، أما الهدف فكان إعطاء " مثال " يقنع العالم الثالث لأكمله ، وخاصة إيران وليبيا ، الهدفين الاقربين باعتبارهما يملكان مصادر نفط ، وما زالا خارج السيطرة الأمريكية حتى الآن .
وطبقت الولايات المتحدة اسلوبا آخر  ، اقل كلفة ، ولكنه كاف لاضرام نار الخلافات بين القوميات ، والمجابهات المزعومة بين الاثنيات والديانات .
و " القومية " اختراع أوروبي ، ولا حاجة بنا لا ستذكار تاريخ تشكلها في أوربا وخاصة منذ معاهدة وستفال عام 1647. لقد قرعت هذه المعاهدة أجراس موت المسيحية التي كانت توحد أوروبا ، فتأسست القوميات على أساس اقتصاد السوق ، وهو اقتصاد تحمية دولة وجيش .
كانت هذه نقطة الفراق ، التي استدعت قيام الوحدات القديمة ، مثل فرنسا ، فالملك تشاركز الخامس " نهاية القرن 14 " أصدر أمرا ملكيا ، قرر فيه أن كل الممتلكات في المملكة تعود للملك وحده ، وله وحده الحق أن ينظم كل الاسواق والمعارض ، ويضع تحت حمايته سلامة الذاهبين ، والمقيمين ، والعائدين .
هدف هذا القرار إلى التغلب على كل المصالح الاقليمية للاقطاع . وسيصبح إنجاز هذه " الوحدة القومية " مهمة الثورة الفرنسية ، وعبر عن هذه المهمة ، الخطاب التأسيسي للافاييت ، في عيد الاتحاد في 14 تموز 1790 ، إذ أقسم على الحفاظ على الدستور ، وضمانة الوحدة السياسية لفرنسا ، ولكنه أيضاً ضمن " سلامة الاشخاص والممتلكات ، والانتقال الحر للبضائع " .
ومن بين الوحدات القومية التي تشكلت في مرحلة متأخرة ، بدءا من القرن التاسع عشر ، الوحدة الألمانية التي بدأت عملية التوحيد فيها ، بإنشاء الوحدة الجمركية " زولفرين 1833 " ، كما فعلت إيطاليا في عهد كافور .
وتأكدت هذه الوحدة ، في القرن التاسع عشر ، العصر الذهبي للبورجوازية التجارية والصناعية التي أنهت صراعها مع آخر  الامتيازات الإقطاعية ، والتي سيتركز صراعها الجديد ضد المنافسين الخارجيين . لذلك كان عليها أن تبحث عن تبرير أيديولوجي لهذا الصراع .
وادعت كل أمة ملكيتها للتراث الديني المسيحي :
ففي فرنسا ، انطلق شعار " أكمل الله عمله بالفرنسيين " . وفي ألمانيا كانت عبارة " الله معنا " نشيداً تغنى به القوميون الألمان .
ولكن تراجع النفوذ الديني ، دعا إلى ايجاد أسس أخرى للقومية ، فكانت الحدود الجغرافية الطبيعية بديلا عن " ارض الميعاد " ، أو " الجيل الموحي إليه " كما قال باريه ، وتبعتها البيولوجيا أي النظرية العرقية .
لقد استثمروا نظريات جوبينو وشامبرلين ، وبعد ذلك الأساطير التاريخية التي تميل لخلق اقتناع بأن " الأمة " قد وجدت قبل آلاف السنين . وقد وضعت " الارشيفات " الاسطورية للشعوب لخدمة هذه الفكرة : في ألمانيا جنبا إلى جنب مع " الاوابد الألمانية التاريخية " (يبرزت 1824) ، أما في فرنسا فكان كتاب جيزو " وثائق أصلية عن التاريخ الفرنسي " (1833) ، وفي بريطانيا ظهرت سلسلة " رولز " حول أصول إنكلترا (1838) .
وحدد كل مستعمر ، مع ابتداء الغزو الاستعماري في كل القارات ، " ارض صيد " خاصة به ، تحولت فيما بعد إلى " أمة " . ولنضرب مثلا على ذلك :
إن الحدود القائمة لبدان أمريكا اللاتينية تتصل إلى حد بعيد بالخطوط التي رسمها نواب الملك والحكام العاملون المنتدبون من إسبانيا والبرتغال . أما الحدود القائمة لبلدان إفريقيا فقد جرى تحديدها من قبل المستعمرين الاوروبيين الذين مزقوا أفريقيا بموجب معاهدة برلين 1885 .
وقد جرى تقطيع هذه القارة حسب علاقات القوة بين الاستعماريين ، انطلاقا من مبدأ يقول : إن من يمتلك الشاطئ يمتلك كل البلاد وراءه ، والواقعة ضمن خطوط عمودية مع الشاطئ .
وأدت تجزئة الامبراطورية العثمانية على أيدي غزاة الحرب العالمية الأولى ، إلى رسم حدود البلاد العربية في الشرقين الأدنى والأوسط ، حسب أطماع الدولتين المتنافستين ، فرنسا وإنكلترا ، اللتين توصلتا إلى تسوية بموجب اتفاقية سايكس ـ بيكو 1917 .
ويستطيع المرء أن يضاعف الامثلة لعملية تصدير القومية وأيديولوجيتها في العالم أجمع مع بدء الاستعمار الاوروبي . وبدأ الصدام بين الأمم المحررة مع انحسار الاستعمار . كان الانتصار الذي حققه الاستعمار بعد موته ، استخدام القوميات الواحدة ضد الاخرى . كانت جامعة الدول العربية حلما إنكليزيا قديما لفصل العرب ، أثناء تفكك الإمبراطورية العثمانية ، عن الامامة الإسلامية ، في الوقت الذي كانت فيه أيديولوجيا القومية التركية من صنع أوروبي هو فامبيري .
أما في المخطط السياسي فالتاريخ يعمر بألف مثال ، وسيسمح هذا المخطط لنا أن نشهد بعد فترة طويلة ، إثارة الصراع بين العرب والإيرانيين ، وتجهيز العراق عسكريا بغية إضعاف إيران  ، بانتظار تدميره .
ومع انهيار الاتحاد السوفيتي تواصل البلدان تفككها بالأسلوب الذي يناسب الخصوم . ويكتمل المخطط بإثارة الحروب الداخلية في البلدان المحيطة : بين المسلمين والقوميين في طاجاكستان ، بين الارمن والاذربيجان ، وبالمجازر التي ارتكتب ضد الروس في أفخازيا والشيشان .
والمثال النموذجي ، هو مثال يوغوسلافيا القديمة . لم تعرف شعوب يوغوسلافيا المختلفة في لغاتها ودياناتها وتاريخها وبناها الاقتصادية ، وعلى مدى نصف قرن ، اضطهادا ولا مصادمات كبرى . لقد انفجرت القوميات مع عودة فوضى اقتصاد السوق التي أثارت في القسم الاغنى من البلاد ، هو سلوفينيا إرادة الانفصال عن الجمهوريات الاخرى الاكثر فقرا في الاتحاد اليوغوسلافي . وكانت الخطة إثارة القوى البعيدة عن المركز . وقد اعترفت ألمانيا بموجب سياستها التقليدية في الادرياتيك ، ومن جانب واحد باستقلال سلوفينيا ، والبوسنة ، وكرواتيا ، وهي الممر المؤدي إلى البحر الأبيض المتوسط . وقبلت الولايات المتحدة فورا الموقف الألماني ، وباعتبار أن ألمانيا هي الشريك الأكبر للولايات المتحدة  في أوروبا ، وكذلك تركيا التي وجدت أنها فرصة لتضع قدمها مجددا في البلقان ، التي خضعت سابقا للامبراطورية العثمانية .
وسمح خضوع تركيا لحلف شمال الأطلسي ، سمح لها أن تضع نفسها في موقف المدافع عن المسلمين في البوسنة وكوسوفو ، دون أن تضطر لمجابهة سادة الأطلسي ، وكذلك أضاف الفاتيكان دعمه لكاثوليك كرواتيا .
مال الأوروبيون ـ وفرنسا خاصة ـ الذين استشعروا منذ البداية خطر انفجار يوغوسلافيا ، لحماية الوحدة اليوغوسلافية ، والتراص قبالة الموقفين الأمريكي والألماني ، واتهموا الصرب الذين جهدوا لحماية الوحدة ، بالعدوان والانفصالية . وأخذت وسائل الاعلام على عاتقها مهمة تصويرهم وحدهم بالشياطيين في هذه الصراعات التي لم تقتصر الوحشية فيها على طرف واحد.
وهكذا ابتدأت المجازر ، لأن الامريكيين والأوروبيين ، لم يأخذوا بالحسبان التعقيد في العلاقات بين الشعوب . فباسم حق تقرير المصير " وهو حق لم يول أي اهتمام للأقليات الموجودة في الدول المستحدثة التي اعترفوا باستقلالها " ، لم يعد لأي من هذه الشعوب هم إلاّ الدفاع عن نفسها . أما مسؤولية دول الغرب في هذه الفوضى الدامية فهي مسؤولية مطلقة، فقد جعلوا المشكلة عصية على الحل بمصطلح الحق ، ومميتة بمصطلح القوة .
ولن نورد إلا مثالا واحدا : يضم البوسنيون 44 % من المسلمين و 30 % من الصرب و 18 % من الكروات . الصرب يخشون عودة " جمهورية إسلامية " أعلن عنها القائد البوسني عزت بيجوفتش ، والآخرون يخشون هيمنة صربية تدعمها بلغراد ، ويثيرون مواجهات صعبة ودامية بين الكروات والمسلمين ، وبين الصرب والكروات ، وبين المسلمين والصرب ، مع ما تحمله هذه الصراعات من وحشية تصفية الحسابات بين شعوب امتزجت ببعضها ، وتشابكت فيما بينها .
أصبح أي تدخل عسكري ضمن هذه الظروف ، صعبا جدا بل مشكوكا في جدواه ، شأنه في ذلك شأن مباحثات السلام ، فلكي يصبح ممكنا ـ مثلا ـ أن تقوم " القبعات الزرق " " جنود الأمم المتحدة " بحماية ضحايا هذا الوضع الفوضوي توجب عليهم أن يقصفوا (انطلاقا من حاملات الطائرات المرابطة في الآدرياتيك ) ، البوسنة بالصواريخ ، لتقتل الصرب والمسلمين والكروات على حد سواء .
أما ما يتعلق بمباحثات جنيف ، فقد تعطلت منذ بدايتها ، بسبب الخطأ الأساسي للغرب ، وهو اعترافه بالدول الجديدة دون أن يطلب منها ضمانات لحماية الاقليات فيها . ولهذا بات ، كل طرف من الأطراف يبحث عنها اليوم لحسابه الخاص : فقد أراد عزت بيجوفيتش دولة بوسنية موحدة ، لأن شعبه سيتحول في ظل إطال فيدرالي إلى أقلية ، في حالة تحالف الصرب والكروات . وبالعكس ، فقد تمسك الصربيون والكروات بالحل الفيدرالي الذي سيعطي الأولين ضمانات ضد زغرب ، يضاف إلى ذلك الخلافات حول رسم الحدود ، لأن التشابك بين الشعوب يستبعد التقسيم العرقي . وهكذا تراجعت المشكلة لتصبح تقسيما كميا ، أي استنادا إلى مرحلة علاقات القوى ، كما كانت دائما مشكلة ترسيم الحدود عبر التاريخ .
وهكذا ، تقودنا المصالح العمياء للقوى الغربية الكبرى ، إلى مشاكل القرن الماضي ، المسماة بالمسألة الشرقية ، فقد ازدادت هذه المشكلة عمقا بسبب مخاطر عدم الاستقرار في أوروبا والشرق الأدنى في وقت واحد .
لقد حاولنا الوصول إلى الخيط الاساسي الذي يسمح لنا الربط بين المشاكل الدولية الاساسية في نهاية هذا القرن ، على الرغم من تنوع مظاهرها : إنه الهيمنة العالمية للولايات المتحدة ، ووحدانية السوق التي تريد أن تفرضها على العالم كله .
ولتحقيق ذلك سوف تتابع الولايات المتحدة :
ـ الدعوة لحرية اقتصاد السوق ، حرية بلا حدود ، بأعتبارها المنظم الوحيد للعلاقات الاجتماعية.
ـ الدعوة للتقدم المتواصل في مجال تنمية القدرة العمياء ، للسيطرة التقنية والعلمية على الطبيعة والانسان .
ـ الدعوة لمتابعة تطوير الازدياد الاعمى للانتاج والاستهلاك .
لن تكون هناك حرية وديمقراطية إلا إذا شاركت كل لاطراف باتخاذ القرارات التي تحدد مصائرها .
لن يكون هناك تقدم إلا إذ حل محل هذا الغاب من التزاحم وإرادات القوة ، والنمو الكمي والتنافس على الأرباح بين الافراد والجماعات والأمم ، مجتمع حقيقي ، نعني به ، مجتمعاً ، يمتلك كل فرد فيه ضميراً يشعره أنه مسؤول عن مصير جميع الآخرين . وهذا ما لا توفره الفردية .
ليس هناك من تطور إلاّ للإنسان . وبعكس نظام يولد تراكم الثروة لدى قطب واحد في المجتمع ، وتراكم الفقر المادي والثقافي لدى الغالبية ، فإن مجتمعا متطورا فعلا ، هو المجتمع الذي يخلق شروطا اقتصادية ، وسياسية ، ثقافية ، وروحية ، تمكن كل فرد من أفراده ، من التهيؤ للإنطلاق ، وفق فرص متساوية ، بغرض تنمية كل الإمكانيات الخلاقة التي يحملها بين جنبيه .

الفصل الخامس
التجارب الخائبة الاشتراكية

توجب مرور قرنين كاملين ، على الثورة الفرنسية ، ليصبح شائعا ما دعاه ماركس في منتصف القرن الماضي : تهتك الرأسمالية ولتحقق الوعي في مسألة العودة إلى شريعة الغاب ، لمؤسسة غبر الأيديولوجيا والممارسة العملية لحرية السوق ، وهما العاملان اللذان قادا العالم اليوم للإنقسام إلى قسمين : الشمال والجنوب ، مع كل نتائج النمط الغربي للتنمية الذي كلف العالم الثالث من الموتى كل يومين ، ما يعادل ضحايا هيروشيما. أما التباعد بين الشمال والجنوب فما زال يتعاظم يوما بعد يوم .
ولم يتوقف تنامي انقسام مشابه ، حتى داخل البلدان الغنية ، بين الذين يملكون ، والذين لا يملكون ، مع تصاعد لا يرحم لمعدلات البطالة ، والتسريح ، وعدم المساواة .. وما زال التفاوت بين هذين الطرفين يتعاظم يوما بعد يوم .
والواقع أن ثلث العاملين في العالم البالغ عددهم 2800 مليون ، عاطلون ، عن العمل ، وقد انخفض الانتاج في بلدان العالم الثالث بين عامي 1990 و 1993 ، بنسبة 10 % .
وحدث الامر نفسه في مجموعة دول أوروبا الشرقية ، بعد عودة الرأسمالية اليها : فقد انخفضت دخول 73 % من الاسر البلغارية إلى أقل من الحد الادنى للاجور ، بينما كان عام 1990 ، 42 % فقط ، ووصل 50 % من الاسر البولونية إلى مستوى الفقر عام 1992 ، مقابل 40 % عام 1991 . وحدث الامر نفسه في الاتحاد السوفيتي السابق ، حيث يعيش 10 مليون إنسان عند عتبة الفقر " عام 1991 " .
وفي البلدان شبه الصحراوية بلغ معدل البطالة 51 % ، وهو ضعف ما كان عليه في أعوام الخمسينات .
وفي أمريكا اللاتينية ، ارتفعت البطالة في القطاعات المدنية من 4, 13 % إلى 6 , 18 % .
وهكذا نجد أن 350 شخصا فقط يتمتعون بدخل يعادل دخول 5 , 2 مليار إنسان في العالم .
كانت الثورة الفرنسية قد أحلت محل تراتبية الدم ، تراتبية المال ، إذ اهتمت بموجب قانون شابلير 17 حزيران 1791 بحل المنظمة العمالية ، وكانت قبل ذلك قد جردت الطبقات الاجتماعية المحرومة أن تعارض التراتبية الجديدة ، من أسلحتها .
ودام منع التنظيم العمالي قرنا كاملا ، إلى أن سمح بتأسيس النقابات عام 1887 . وقد أشار بابوف (1760 ـ 1797) إلى تخوم هذه الثورة التي أسست علاقات جديدة قائمة على مبدأ الدفاع عن الملكية الفردية ، وحرية هذه الملكية في النمو على حساب غير المالكين . وكتب بابوف في العدد 34 من " منبر الشعب " يقول : أي شيء هي الثورة الفرنسية ؟ إنها حرب ناشبة بين النبلاء والعامة ، بين الاغنياء والفقراء .
أمام هذه التراتبية الاقتصادية للنظام الترميدوري ، تحدث العدد 35 من " منبر الشعب " ، وفي باب " بيانات الفقراء " ، عن القانون البربري الذي يفرضه رأس المال .
وقد انتحر بابوف ، قبل أن ينفذ فيه حكم الاعدام في فاندوم في 28 أيار 1798 .
ودعم نابليون من خلال الدكتاتورية ، النظام الذي تأسس باسم الحرية . وقد كتب أحد وزراءه ، ويدعى شامبيني والذي يعتبر نموذجا لارستقراطية المال الجديدة كتب رسالة إلى الكونت ونتراج ، وهو قانوني بقي مخلصا للنظام القديم : " يلزمنا ملك يكون ملكا حقا ، لأنني مالك " 21 آب 1801 .
وفي الحقيقة ، فقد وضع نابليون بأسلوب أكثر ما يكون وضوحا ونمطية ، القانون الذي عرف باسمه عام 1804 ، والذي كرس مبادئ الملكية ، وحرية العمل اللتين سادتا منذ عام 1789 . وأدرك لوي بلان 1812 ـ 1882 هذه الفكرة ، فأشار إليها في كتابه " تاريخ السنوات العشر " بقوله : أطل نابليون على الجمعية التأسيسية ، فانحاز إلى الطغيان المختبئ في ثنايا مبدأ " دعه يعمل " ، وفي كلمة واحدة لقد حصن كل ما يخدم اليوم ، هيمنة " البرجوازية " .
وفي الواقع أعطى نابليون أول مثال لهذه الحقيقة ، التي طبقت بعد ذلك ابتداء من لويس فيليب ، إلى عهد نابليون الثالث ، بل وحتى حكم بينوشيه ، تشير إلى أن الحرية الاقتصادية أبعد ما تكون عن الامتزاج بحرية الإنسان ، وهي تتفق بشكل جيد مع نظام سياسي ديكتاتوري ، مثلما تنسجم مع " ديمقراطية " ، تموه ديكتاتورية المال .
ويمكن لهذا النظام أن يجد مبرراته في الدين والالحاد على حد سواء . وكان نابليون ، في هذه الحالة مبشرا أيضاً . ودلل روديرو في " يومياته " عن هذه الثقة لدى نابليون :
" لا يمكن للمجتمع أن يوجد دون التفاوت في الثروة ، ولا يمكن لهذا التفاوت أن يوجد بدون الدين . فعندما يموت انسان جوعا إلى جانب انسان آخر يتقيا من التخمة ، لا يمكن قبول هذا الامر إلا بوجود سلطة تقول له : يريد الله الامر على هذه الشاكلة . ولا بد في هذا العالم من وجود فقراء وعبيد . أما في الاخرة فستكون القسمة على شكل آخر " وهذا ما جعل هذا الكافر يحرم من تتويج البابا له .
إنها نفس اللغة التي استعملها شاتوبويان حين عودة الملكية : " إنها دولة سياسية ، يملك أفراد فيها الألوف ، بينما يموت آخرون جوعاً ، أيمكن لهذه الدولة أن تستمر عندما لا يكون هناك دين يولد الآمال خارج هذا العالم ، كي يفسر معنى التضحية ؟ " مذكرات بعد الموت " .
وقال لويس فييو في وسط القرن التاسع عشر :
عندما لا يؤمن بالله ، فلن يؤمن بالملكية حتى يكون مالكا ، " وبهذا المعنى يجب فهم مقولة ماركس : الدين أفيون الشعوب " .
ولدت الاشتراكية أولا من الثورة على الإنسانية نظام الحرية الاقتصادية . وقد وعى مسيحيون ، رفضوا الاستسلام للتواطؤ ، هذه اللاإنسانية في النظام ، وصاغ الاب لا كوردير ، مثلا ، المبدأ ذاته المتعلق بلا إنسانية الإنسان بقوله : " بين القوي والضعيف ، الحرية هي التي تقوم بالاضطهاد والقانون هو الذي يحرر ".
وقد ولدت الاشتراكية من خلال البحث عن هذا القانون الذي يسمح للانسان أن يصبح إنسانا .
فشلت محاولات بناء الاشتراكية ، حتى الآن ثلاث مرات . إذ لم تكن عام 1848 إلا انتفاضة ، فكان بالامكان اخمادها في ثلاثة أيام . ولم تعش كومونة باريس عام 1871 أكثر من ثلاثة شهور أيضاً ، فتم سحقها بقوات مشتركة لبسمارك وتيير . فقد طوق جيش بسمارك باريز ، وأعاد تيير أسراه في سيدان بعد خيانة بازين ، وطلب من قائد الجيوش البروسية أن يسمح للجيش المحاصر في سيدا بالخروج استعداداً لصد عصيان محتمل في باريس .
وولد الامل من جديد في الاتحاد السوفيتي بعد ثورة أكتوبر 1971 ليتداعى بعد سبعين عاما . وقد عاشت الثورة حالة من الحصار منذ ولادتها ، بإرادة كليمانصو وتشرشل اللذين كانا البادئين باختراع فكرة " الاسلاك الشائكة " والتي تولد عنها فيما بعد " سور برلين " كجواب عليها .
لم يتوقف الحصار الاقتصادي ، منذ أن بذلت الحكومات الأوروبية الرأسمالية الدعم لقادة الثورة المضادة عام 1918 مثل دنيكين ورانجل ، إلى قيام الحرب الباردة ضد امبراطورية الشر ، إلى حرب النجوم التي أطلقها ريغان ، إلا لمدة أربع سنوات فقط .
فقد رأت هذه الحكومات أن هتلر يشكل أفضل " سد " ضد البلشفية ، فرحبت بصعوده إلى السلطة وزودته بالفولاذ والمال ، والتنازلات اللازمة " معاهدة ميونيخ 1938 " للسماح له القيام بهذه المهمة .
ولكن هتلر ، وبعد أن أصبح جاهزا لتنفيذ هذه المهمة ، تنبه لخطر أن يصبح أسيرا بين فكي كماشة ، الغرب من جانب ، والشرق من جانب آخر ، فقام باحتلال فرنسا ، وقصف بريطانيا . عندها أدرك الأوروبيون أن الاتحاد السوفييتي هو منجاتهم الوحيدة فتحالفوا معه .
عانى الاتحاد السوفييتي كثيرا من الغزو والاحتلال الكثيف من قبل ثلثي الجيش الألماني . ثم قام بتحرير أوروبا بدءا من ستالينغراد وحتى برلين ، محطما الجيش الألماني ، بعد أن دفع في هذه الحرب الضريبة الأثقل : بطولات وتضحيات (17 مليون قتيل ) . بعد ذلك ضاقت الحلقة حوله ، بدءا من الخطاب الذي ألقاه تشرشل في فولتون عام 1946 مدشنا الحملة الجديدة .
لم يكن انهيار الاتحاد السوفييتي بسبب هزيمة عسكرية ، إنما انفجار سياسي واقتصادي ، وليس بسبب أنه اتبع عقيدة ماركس ، بل لأنه خانها .
كان ماركس قد عثر من خلال كومونة باريس على صي

21-05-2008 الساعة 12:52 عدد القرآت 1862    

الإسم
البريد
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جميع الحقوق محفوظة لدار الأمير © 2008