الصفحة الرئيسة البريد الإلكتروني البحث
علي شريعتي/ العرفان الثوريهبوط في الصحراء مع محمد حسين بزيهوية الشعر الصّوفيالمقدس السيد محمد علي فضل الله وحديث الروحعبد المجيد زراقط في بحور السرد العربيقراءة في كتاب التغيير والإصلاحبرحيل الحاجة سامية شعيب«إحكي يا شهرزاد» اهتمام بشؤون المرأة المعاصرةالنموذج وأثره في صناعة الوعيتبادل الدلالة بين حياة الشاعر وحياة شخوصهالشيعة والدولة ( الجزء الثاني )الشيعة والدولة ( الجزء الأول )الإمام الخميني من الثورة إلى الدولةالعمل الرسالي وتحديات الراهنمعرض الكويت الدولي للكتاب 2019صدر حدياً ديوان وطن وغربةعبد النبي بزي يصدر ديوانه أصحاب الكساءتوزيع كتاب هبوط في الصحراء في لبنانإطلاق كتاب هبوط في الصحراءصدور هبوط في الصحراءمتحدِّثاً عن هوية الشعر الصوفينعي العلامة السيّد محمد علي فضل اللهندوة أدبية مميزة وحفل توقيعاحكي يا شهرزاد في العباسيةفي السرد العربي .. شعريّة وقضاياحوار مفتوح مع د. يوسف زيدانمعرض مسقط للكتاب 2019متواليات تراثيةمتواليات صوفيةالتصوف وفصوص النصوص الصوفيةدار الأمير تنعى د. بوران شريعت رضويالعرس الثاني لـ شهرزاد في النبطيةصدر حديثاً كتاب " حصاد لم يكتمل "جديد الشاعر عادل الصويريدرية فرحات تُصدر مجموعتها القصصيةتالا - قصةسِنْدِبادِيَّات الأرز والنّخِيلندوة حاشدة حول رواية شمسندوة وحفل توقيع رواية " شمس "خنجر حمية وقّع الماضي والحاضرمحمد حسين بزي وقع روايته " شمس "توقيع رواية شمستوقيع المجموعة الشعرية قدس اليمندار الأمير في معرض بيروتتوقيع كتاب قراءة نفسية في واقعة الطفدار الأمير في معرض الكويتمشاكل الأسرة بين الشرع والعرفالماضي والحاضرالفلسفة الاجتماعية وأصل السّياسةتاريخ ومعرفة الأديان الجزء الثانيالشاعرة جميلة حمود تصدر دمع الزنابقبيان صادر حول تزوير كتب شريعتي" بين الشاه والفقيه "محمد حسين بزي أصدر روايته " شمس "باسلة زعيتر وقعت " أحلام موجوعة "صدر حديثاً / قراءة نفسية في واقعة الطفصدر حديثاً / ديوان جبر مانولياصدر حديثاً / فأشارت إليهصدر حديثاً / رقص على مقامات المطرتكريم وحفل توقيع حاشد للسفير علي عجميحفل توقيع أحلام موجوعةتوقيع ديوان حقول الجسدباسلة زعيتر تُصدر باكورة أعمالهاالسفير علي عجمي يُصدر حقول الجسدصدر حديثاً عن دار الأمير كتاب عين الانتصارجديد دار الأمير : مختصر كتاب الحج للدكتور علي شريعتيصدر حديثاً كتاب دم ابيضاصدارات مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي
الصفحة الرئيسة اّخر الإصدارات أكثر الكتب قراءة أخبار ومعارض تواصل معنا أرسل لصديق

جديد الموقع

علي شريعتي/ العرفان الثوريهبوط في الصحراء مع محمد حسين بزيهوية الشعر الصّوفيالمقدس السيد محمد علي فضل الله وحديث الروحعبد المجيد زراقط في بحور السرد العربيقراءة في كتاب التغيير والإصلاحبرحيل الحاجة سامية شعيب«إحكي يا شهرزاد» اهتمام بشؤون المرأة المعاصرةالنموذج وأثره في صناعة الوعيتبادل الدلالة بين حياة الشاعر وحياة شخوصهالشيعة والدولة ( الجزء الثاني )الشيعة والدولة ( الجزء الأول )الإمام الخميني من الثورة إلى الدولةالعمل الرسالي وتحديات الراهنمعرض الكويت الدولي للكتاب 2019صدر حدياً ديوان وطن وغربةعبد النبي بزي يصدر ديوانه أصحاب الكساءتوزيع كتاب هبوط في الصحراء في لبنانإطلاق كتاب هبوط في الصحراءصدور هبوط في الصحراءمتحدِّثاً عن هوية الشعر الصوفينعي العلامة السيّد محمد علي فضل اللهندوة أدبية مميزة وحفل توقيعاحكي يا شهرزاد في العباسيةفي السرد العربي .. شعريّة وقضاياحوار مفتوح مع د. يوسف زيدانمعرض مسقط للكتاب 2019متواليات تراثيةمتواليات صوفيةالتصوف وفصوص النصوص الصوفيةدار الأمير تنعى د. بوران شريعت رضويالعرس الثاني لـ شهرزاد في النبطيةصدر حديثاً كتاب " حصاد لم يكتمل "جديد الشاعر عادل الصويريدرية فرحات تُصدر مجموعتها القصصيةتالا - قصةسِنْدِبادِيَّات الأرز والنّخِيلندوة حاشدة حول رواية شمسندوة وحفل توقيع رواية " شمس "خنجر حمية وقّع الماضي والحاضرمحمد حسين بزي وقع روايته " شمس "توقيع رواية شمستوقيع المجموعة الشعرية قدس اليمندار الأمير في معرض بيروتتوقيع كتاب قراءة نفسية في واقعة الطفدار الأمير في معرض الكويتمشاكل الأسرة بين الشرع والعرفالماضي والحاضرالفلسفة الاجتماعية وأصل السّياسةتاريخ ومعرفة الأديان الجزء الثانيالشاعرة جميلة حمود تصدر دمع الزنابقبيان صادر حول تزوير كتب شريعتي" بين الشاه والفقيه "محمد حسين بزي أصدر روايته " شمس "باسلة زعيتر وقعت " أحلام موجوعة "صدر حديثاً / قراءة نفسية في واقعة الطفصدر حديثاً / ديوان جبر مانولياصدر حديثاً / فأشارت إليهصدر حديثاً / رقص على مقامات المطرتكريم وحفل توقيع حاشد للسفير علي عجميحفل توقيع أحلام موجوعةتوقيع ديوان حقول الجسدباسلة زعيتر تُصدر باكورة أعمالهاالسفير علي عجمي يُصدر حقول الجسدصدر حديثاً عن دار الأمير كتاب عين الانتصارجديد دار الأمير : مختصر كتاب الحج للدكتور علي شريعتيصدر حديثاً كتاب دم ابيضاصدارات مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي

أقسام الكتب

مصاحف شريفة
سلسلة آثار علي شريعتي
فكر معاصر
فلسفة وتصوف وعرفان
تاريخ
سياسة
أديان وعقائد
أدب وشعر
ثقافة المقاومة
ثقافة عامة
كتب توزعها الدار

الصفحات المستقلة

نبذة عن الدار
عنوان الدار
دار الأمير وحرب تموز 2006
About Dar Al Amir
Contact Us
شهادات تقدير
مجلة شريعتي
مواقع صديقة
هيئة بنت جبيل
اصدارات مركز الحضارة

تصنيفات المقالات

عملاء حرب تموز
ريشة روح
قضايا الشعر والأدب
شعراء وقصائد
أقلام مُقَاوِمَة
التنوير وأعلامه
قضايا معرفية
قضايا فلسفية
قضايا معاصرة
الحكمة العملية
في فكر علي شريعتي
في فكر عبد الوهاب المسيري
حرب تموز 2006
حرب تموز بأقلام اسرائيلية
English articles

الزوار

9466335

الكتب

279

القائمة البريدية

 

ندوة وحفل توقيع الحاكم عند الفارابي بين الإسلام والفلسفة

باحتفال حاشد حضره شخصيات سياسية وعلمائية وإعلامية وأدبية وعلمية، وممثلين عن منتديات وملتقيات ثقافية وقّع نائب رئيس اتحاد الكتّاب اللبنانيين سماحة الشيخ فضل مخدّر كتابه " الحاكم عند الفارابي بين الإسلام والفلسفة " الصادر حديثاً عن دار الأمير .
وذلك مساء الاثنين 26/10/2015 في قصر الأونيسكو – بيروت.

صاحب الحفل ندوة فكرية عن الكتاب شارك فيها كلّ من رئيس جمعية المعارف الإسلامية الشيخ الدكتور أكرم بركات، و مدير مركز الدراسات المسيحية الإسلامية في جامعة البلمند الأب الدكتور جورج مسّوح، و المدير الأسبق لمعهد العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية الأستاذ الدكتور محمد شيّا، وأدار الندوة مدير عام دار الأمير الدكتور محمد حسين بزّي .

hamen5بدأ الحفل بالنشيد الوطني اللبناني، ثم كانت الكلمة الافتتاحية لمدير الندوة الدكتور بزي ، وممّا جاء فيها:

ما بين الدهشة والشعر يحضر سماحة الشيخ فضل مخدر، ويحضر معه الفارابي حاكماً؛ أو محكوماً عليه بالفلسفة والعشق لا فرق ...
كما لا فرق بين تقلّب الكواكب في كبد السماء وبين منارات عاملة ..
لن أقول لك يا صاحبي أنّى لك هذا ..!؟
لأنّ في وجداني لا فرق بين بابل والبابلية.. لا فرق يذكر،، فنشيد الماء البابلي لم يكن أصله من أرسِطو كما علمونا، إلا أنّ نشيد الماء العاملي الجاري يمرّ بالبابلية دون ريب.
وأيضاً من قال إن بابل بالشعر والفلسفة أولى من عاملة ..؟!
فلا تثريب عليك أيها الشيخ امضِ على بركة الله، إنك من البابلية وهذا أحجى، فشقاوة الملح في البحر لا تُفسد درره البكر، بل تستفز الغطاس الماهر ساعة شعر أو فلسفة لا فرق أيضاً.
فيا صاحبي ردني إليك الآن مدهوشاً كي تستريح آفاق الفلسفة عن شفقها الإغريقي في يقظة بابلية مستحبة..

وأمّا عن الكتاب فأقول:
رغم محبتي ورغبتي بإدارة هذه الندوة، إلاّ أنّ العنوان استفز لواعج كانت غائرة في الصدر منذ أيام الدراسة الجامعية، وكانت معمورة بالألم رغم الجدل النضير في أبي نصر.

ببساطة، أنا أحبّ هذا الفيلسوف.. وأريده أن يأتي الآن، ليسمع ويشاهد نكران الجميل للعلم وللمُعلِّم من غرب تغرّب عن الوفاء، واتقن اغتيال الثقافة والحضارة بشمولية متوحشة إلّا عن سواه.. لدرجة أنّ مثقفينا ما برحوا يبغبغون كلامه، ويعيشون "فرحة الأهبل" بتعبير أستاذنا يوسف زيدان.

لقد انماز المُعلِّم الثاني عن غيره من الفلاسفة في المصالحات الفكرية الكبرى التي عقدها بين الفلسفة وتعاليم الإسلام، والتي تجلّت في كتابه "آراء أهل المدينة الفاضلة"؛ وقد سحبها إلى المقاربات حيناً، وأحياناً إلى المطابقات التي وفّرها بين العقل الفعّال وملك الوحي والفيلسوف الملك من جهة، وبين السعادة القصوى والجنة ومكافآت العمل وقوانين الشريعة، ومستبدلاً القديم والحادث بـ واجب الوجود وممكن الوجود من جهة أخرى. وإذا كان هذا يدل على عظمة شخصيته العلمية في هضمه للفلسفة اليونانية وما سبقها من مرحلة النظر الإنساني، ولتعاليم الإسلام الحنيف؛ فإنّه بالوقت نفسه يؤشر على حجم الهم الإنساني الذي كان يسكن هذا الفيلسوف الحكيم. وحتى نبتعد عن الحشو والاطناب يمكنني اختصار فلسفته بجملة مبثوثة في مصنفاته مفادها: إنّ المعارف والعلوم التي لا تكون في خدمة الإنسان فلا قيمة لها، بل كأنها لم تكن. وهذه خلاصة مفتاحية شاد عليها الفارابي مصالحاته ومقارباته.

والتهمة التي طالما رُمي بها هذا الحكيم الإلهي من بعض متفلسفي الغرب، وهي تأثره في مدينته الفاضلة بمحاورة "السياسة" لأفلاطون، والمعروفة خطأً بـ "الجمهورية" لم تكن صحيحة، وإنْ كان ثمة تطابق في أفكارهمـا الفلسفية، فهناك تناقض في الكثير منها، مثل اشتراط الفارابي في رئيس المدينة الفاضلة أن يكون فيلسوفاً وعلى اتصال بالعقـل الفعّال، مقابل اشتراط أفلاطون أن يكون رئيس الجمهورية فيلسوفاً فقط. كذلك تصوّر الفارابي لرئيس المدينة الفاضلة أن يكون قادراً على الولوج في العالم الروحي والاندماج معه، للوصول بأهل المدينة إلى السعادة الكاملة التي لا تدوم إلّا بدوام الاتصال بالعقل الفعّال سواء عن طريق التصـوّر العقلي أو عن طريق التخيّل القائمين علـى التأمل والإلهام، في مقابل دعوة أفلاطون إلى ضرورة أن يهبط الفيلسوف من تأملاته للمعقولات المجرّدة "المُثل" إلى عالم الشؤون السياسية والمحسوسات. ومثل هذه التناقضات (الجوهرية) كفيلة لمن له حظ من الفلسفة أن يعرف مدى الهوة المؤسِّسة بين الرجلين، عدا أن الفارابي ينكر على أفلاطون أموراً رئيسية مثل شيوعية النساء والأولاد والثروة، لتناقضها مع الإسلام.

ولو أنصف "الغرب" الفارابي لاعترف أنه المصدر الأول والأساسي لإعادة انتاج الفلسفة اليونانية القديمة في قالبها المشهود اليوم، ولم تكن محاولته في "الجمع بين رأيي الحكيمين" آخر المطاف.

ورغم مرور أحد عشر قرناً على وفاته، لم تزل فلسفة الفارابي حاضرة وخصبة، بل ومهيمنة على الفلسفة السياسية للإسلام. ولولا ذلك لما تناولها سماحة الشيخ فضل مخدّر _وغيره من مئات الباحثين_ بالدراسة الموضوعية التي وسمت هذا الكتاب موضوع ندوتنا.


hakem6الكلمة الثانية كانت للشيخ الدكتور أكرم بركات، وممّا جاء فيها:

مداخلتي تدور حول كلمتين
1-    كلمة في الكاتب:
-    قبل أكثر من ربع قرن تعرَّفت عليه شيخاً معممّاً.
-    بعدها زرته في بابليّته أنظر إليه رسَّاماً يتألق في لوحاته الفنيّة الجميلة.
-    ثمّ سمعته شاعراً ينشد قصائده الفاتنة في الغزل المنسابة نحو الكمال الديني.
-    ثمّ قرأته أديباً روائياً ينسج مجتمع المقاومة بمغزله العامليّ.
-    وعرفته خلال ذلك مديراً يدور بين الحوزة العلميّة وأئمّة الجماعات وديوان النشر ومؤتمراته واتّحاد الكتاب ومنتديات الثقافة والأدب.
-    وها هو اليوم يدخل حقل الأكاديميّة في الفلسفة السياسيّة في وليده الجديد "الحاكم عند الفارابي، بين الإسلام والفلسفة"، ولا أدري في ما أتعرّف عليه في مشهده القادم.

2-    كلمة في الكتاب
من مميِّزات المعلّم الثاني الفارابي أنّه صاحب منظومة معرفيّة هدفت إلى المواءمة بين العقل والنصّ الدينيّ بعد محاولاته للمواءمة بين عقول الفلاسفة الإغريق لا سيَّما أفلاطون وأرسطو.

وأطروحته حول الحاكم مصداق بارز في هذه المواءمة التي انطلق فيها من محوريَّة الله تعالى في الوجود الذي بدأ - بمعرفة العقل – في دائرته الإمكانيَّة من العقل الأول (الأول في الكمال الإمكاني الجبري) واستمرّ لينتهي في سلسلة العقول الطوليّة بالعقل الفعَّال الذي من خلاله يحصل الفيض على الإنسان هادفاً من خلال ذلك الفيض تحقيق كمال الإنسانيّة وسعادتها.

أطروحة الفارابي في الحاكم بلغة العقل
إنّ الله تعالى في أطروحة الفارابي كمال مطلق، خلق المخلوقات لأجل كمالها الاضطراري (المتمثّل بداية في العقول) والاختياريّ الذي انتهى بالإنسان، وبما أنّ الإنسان لا يمكنه بأدوات معرفته أن يتعرَّف على طريق كماله، الفردي والاجتماعي، فكان الاتصال من العقل الفعَّال ببعض الناس بهدف كمالهم الفرديّ، وليكونوا واسطة بين الله والناس في كمال المجتمع وسعادته، فبحسب هذه الأطروحة العقليّة يكون الإنسان الذي اتّصل به العقل الفعَّال ( أو حلَّ به) هو الواسطة بين واجب الوجود والمجتمع الإنسانيّ لإيصال هذا المجتمع إلى كماله وسعادته، وبهذا يتحقّق المجتمع الفاضل والمدينة الفاضلة في الحياة الإنسانيّة، والذي يكون الحاكم فيها هو المحور باعتبار كمالاته الإلهيّة، فهو، بتعبير الفارابي، كالقلب بالنسبة إلى سائر البدن.

أطروحة الفارابي في الحاكم بلغة النصّ الديني
إنّ هذه الأطروحة العقليّة توائم بوضوح أطروحة الدين الذي يحكي توسّط الملك بين الله تعالى والإنسان النبي لإيصال المجتمع إلى سعادته، قال الفارابي: "والعقل الفعَّال هو الذي ينبغي أن يقال أنّه الروح الأمين وروح القدس..." .

الحاكم الفطريّ في أطروحة الفارابي
على أساس ما تقدَّم بيَّن الفارابيّ أنّ الحاكم الذي يعدّ الرئيس الأوّل لدولته والملك فيها هو "الذي لا يحتاج، ولا في شيء أصلاً، أن يرأسه إنسان، بل يكون قد حصلت له العلوم والمعارف بالعقل، ولا تكون له حاجة في شيء ممّا ينبغي أن يعمل من الجزئيات، وقوة على جودة الإرشاد لكلّ من سواه إلى كلّ من يعلّمه، وقدرة على استعمال كلّ من سبيله أن يعمل شيئاً في ذلك العمل الذي هو معدّ نحوه، وقدرة على تقدير الأعمال وتحديدها وتسديد نحو السعادة" .

ويعرّفنا الفارابي على سرّ هذا الإنسان الكامل بقوله: "وإنّما يكون ذلك في أهل الطبائع العظيمة الفائقة إذا اتّصلت نفسه بالعقل الفعَّال" .

وقد وضَّح الفارابي خصال هذا الطبع العظيم الفائق باثنتي عشرة خصلة يفطر عليها الرئيس .

إنّ هذا الحاكم والرئيس بهذه المواصفات يصدق بحسب النصّ الإسلاميّ على النبي، ويصدق بحسب الطرح الشيعيّ الإماميّ الاثني عشريّ على الأئمّة الإثني عشر، مع ملاحظة أنّ الشيعة يؤمنون بانقطاع الوحي التشريعيّ بعد النبي محمد (صلى الله عليه وآله) لحصريَّة التشريع "ووضع النواميس" بشخص النبي (صلى الله عليه وآله)، لكنّهم يروون في أحاديثهم مواكبة الغيب لأئمّتهم بواسطة نوع من الإلهام، فعن الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام): "إنّ العبد إذا اختاره الله عزّ وجلّ لأمور عباده، يشرح صدره لذلك، وأودع قلبه ينابيع الحكمة، وألهمه العلم إلهاماً، فلم يَعيَ بعد بجواب، ولا يحيد فيه عن الصواب" .

الحاكم غير الفطري في أطروحة الفارابيّ
لا تتوقّف أطروحة الفارابي عند الحاكم المفطور بالطبع على مواصفات الرئاسة، فهو يتنزل في طرحه إلى صورة المجتمع الذي لا يكون ذلك الحاكم الخاصّ حاضراً فيه، فينتقل من الحاكم بالفطرة إلى الحاكم بالإرادة، ناصّاً على ستَّة شرائط إراديّة لا بدّ أن تتحقّق فيه هي:
1-    أن يكون حكيماً.
2-    أن يكون عالماً حافظاً للشرائع والسنن والسير للرؤساء السابقين.
3-    أن يكون له جودة الاستنباط.
4-    أن يكون له جودة رويَّة وقوة استنباط في المستحدثات، ويكون متحريّاً صلاح المدنية.
5-    أن يكون له قوة بيان شرائع واستنباط الأوّلين والإرشاد إليها.
6-    أن يكون له جودة ثبات ببدنه في مباشرة أعمال الحرب...

والملاحظ أنَّ هذه الأمور تدور حول العلم والكفاءة، وقد يُضاف إليها المسلكيّة المستقيمة إن قلنا: إن الحكمة تتضمَّن ذلك.

وبنظرته الواقعيّة يكمل الفارابيّ أطروحته ليتحدَّث عن حالة لا تتوفر فيها هذه الشروط في حاكمٍ واحدٍ بل توفَّرت بعضها في واحد والبقية في آخر، فيكونان هما الرئيسين، وإذا توزَّعت على أكثر تكون الرئاسة لهم مجتمعين.

الحاكم بين الفارابيّ والخمينيّ
إنّ ما طرحه الفارابيّ ينسجم إلى حدّ كبير مع ما في المذهب الإسلامي الشيعي الاثني عشري كما نراه جلياً في أطروحة الإمام الخميني (ره) حول الحاكم في الرؤية الإسلاميّة، مع ملاحظة أنّ الفارابي يتحدّث من مدخل العقل المجرَّد، وبعد اكتمال نظريّته يأتي بالنصّ الدينيّ مؤيّداً لأطروحته العقليّة، في حين ينطلق الإمام الخميني (ره) منذ البداية من العقل القطعيّ الناظر إلى القطعيَّات الدينيّة. فالإمام الخميني كما الفارابي ينطلق من محوريّة الله تعالى وهدفيّته في تحقيق كمال المخلوقات، ومنها الإنسان على المستويين الفردي والاجتماعي بما تقتضيه ذلك في بيان خريطة طريق لهذا الكمال والتي هي رسالة الدين الذي لا بدّ أن يكون اجتماعياً في أطروحته لتحقيق الكمال الاجتماعيّ، وبالتالي هو بحاجة إلى حاكم لتطبيق الطرح الإلهيّ في المجتمع، لإيصاله إلى كماله وسعادته وهذا الحاكم ليحكم باسم الدين لا بدَّ أن يكون عالماً بمبادئه وأهدافه وقوانينه، كفؤاً على المستوى القياديّ، ومؤتمناً في تطبيق تلك القوانين، ويعبّر الإمام الخميني (قده) على علاقة الحاكم بالمجتمع بالولاية وهو مصطلح قرآني أصيل يعني القرب الخاص ويتضمّن نوعاً من السلطة، وذلك تعبيراً عن المماهاة العقديّة والمسلكيّة التي ينبغي أن تشترك فيها الأمّة وحاكمها مما يجعله في دائرة القرب منها. وهذا الحاكم الولي لا بدّ أن يكون، كما هو رأي الفارابي، الأكمل بين الأمّة، لذلك فإنّ الحاكم في عصر النبي هو النبي نفسه، وفي عصر الإمام المعصوم بعد النبي هو المعصوم نفسه، وفي حال غيبة المعصوم عن الأمة، فإنّ الأكمل بين الأمة في العلم والكفاءة والعدالة يكون هو الحاكم الشرعي والولي على الأمة، وبما أن العلم هو الفقاهة بالمصطلح الخاص، يكون هو الولي الفقيه.

لقد اتّفق الفارابي والخميني في إنشاء المنظومة التي واءمت بين العقل والنص، وزاد الإمام الخميني القلب في مشهد المواءمة فتحدث عن الأسفار الصدرائية الأربعة الموصلة نحو الكمال والسعادة، لكنه استطاع أن يخرجها من قمقم النظرية والفردية، إلى السلوك الاجتماعي، يبتغي بذلك أن يخوض تجربة لم تتوفّر للفارابي والملا صدرا، في إيجاد مجتمع يرأسه الحاكم غير المفطور بتعبير الفارابي والولي الفقيه بتعبير الامام الخميني, يمهِّد به للمدينة الانسانية الفاضلة الكبرى التي سوف تتحقق بمقتضى العقل المدرك لحكمة الحكيم، وبنص الدين القويم على يد الرئيس الكامل لتقرّ بها عينا الفارابي والخميني في مرقديهما.

hakem7الكلمة الثالثة كانت للأب الدكتور جورج مسّوح وممّا جاء فيها:
كم نحن بحاجة اليوم لمواصفات الحاكم التي ذكرها سماحة الشيخ فضل في كتابه عن الفارابي، مستعيداً رحابة الإسلام وسعته لجميع الأفكار الأديان عكس ما نشهده اليوم جماعات تكفيرية شوّهت الإسلام عن أصوله السمحة.

وأكد مسّوح على أهمية الدراسة في تشخيص الحاكم الذي يصلح لسعادة الشرية وعمرانها، مثنياً على صدور الكتاب في هذه المرحلة الحساسة من تاريخ المجتمع العربي.

الكلمة الرابعة كانت للأستاذ الدكتور محمد شيّا، تحت عنوان: ملاحظات أولية على كتاب "الحاكم عند الفارابي للشيخ فضل مخدّر، وممّا جاء فيها:
بداءة، أسمح لنفسي بعدما انتهيت من قراءة كتاب الشيخ فضل الممتع المتعب ’الحاكم عند الفارابي’ أن أهنئ المؤلف، من دون مجاملة، بصدور عمله الجديد عن ’دار الأمير’ التي ما برحت تترك للكتاب الفلسفي مكاناً بين إصداراتها بعدما قل من يفعل ذلك منصرفين عنه إلى نوع فاشٍ غاشٍ من الإصدارات الرخيصة، ولو غلا ثمنها، والفارغة ولو بلغت صفحاتها الملونة والبرّاقة المئات. هؤلاء المساكين لم يقرأوا كلمات ديكارت قبل نحو من أربعمئة عام حين قال: إن الأمم الشريفة إنما تعتز بما لديها من مفكرين وفلاسفة، أولئك هم ثروتها. شكراً شيخ فضل على هذا الكتاب القيّم، وشكراً دار الأمير بشخص مديرها العام الصديق الدكتور محمد حسين بزي لاحتضانها هذا العمل وسواه من الأعمال الجادة.

hakem8هناك الكثير في الكتاب مما يستوجب مني ومن سواي المديح، هوذا ما اكتشفته منذ قراءتي الأولى له، وهو ما سيكتشفه أيضاً قرّاء الشيخ فضل. فهذا ليس عمله الأول، وهو يتقن فن صناعة الكلمة، لغة سلسة وبياناً بل وبلاغة في غير مكان في إيصال أفكاره ببراعة وعلى النحو الذي يريد - رغم أن  المبالغة بالتدخل خارج النص، أو بديلاً عن النص، يودي بالخطاب نحو الأيديولوجيا بوعي منا أو من دون وعي، مع الملاحظة أن الأيديولوجيا لا تشكو من نقص في اليقين بل من نقص في الموضوعية والحقيقة بالتالي – وهو ما يجب أن يحتاط له الكاتب الرزين في كل باب، وبخاصة في باب الفكر الفلسفي، والمؤلف مدرك بالتأكيد أن الموضوعية شرط أول للبحث الفلسفي مثلما هي في البحث العلمي. هذه ملاحظة منهجية عامة أشدد باستمرار عليها لكنها لا تنال من موضوعية المؤلف والمؤلّف.

بعد الشكل المتقن، لا يسع القارئ إلا امتداح اختيار المؤلف للفارابي موضوعاً لدراسته، ولمفهوم الحاكم عنده على وجه الخصوص. فالفارابي كما أشار المؤلف غير مرة، ونقلاً عن ماسينيون وإبراهيم مدكور وعثمان أمين وغيرهم من المستشرقين أو مؤرخي الفلسفة العربية، هو المؤسس الحقيقي للفلسفة العربية-الإسلامية في القرون الوسطى، وتحديداً بين نهاية القرن الثالث ومطلع الرابع الهجري. لا يمكن التنكر للكندي قبل ذلك بوقت قصير، ولا للدور الذي لعبه في صك المصطلح العربي الفلسفي، وفي نقل الأعمال الفلسفة الأرسطية تحديداً إلى العربية، ولكن بكثير من الصعوبة التي أجبرت الفارابي مثلاً على قراءة كتب أرسطو المترجمة أو كتاب إيساغوجي المنحول مئة مرة كي يفهم خبايا نظرية أرسطو.
عبارة الفارابي، بخلاف ذلك دقيقة، مقتصدة، فيها مواصفات الجملة المنطقية والفرضية العلمية على ما باتت تعنيه الفلسفة مع المناطقة الجدد منذ مطلع القرن العشرين: أي جملة فلسفية مفيدة، ذات معنى، وبمواصفات الجملة العلمية.

هذا بعض ما شد المؤلف ربما إلى الفارابي عموماً، وقبل أن يصل إلى مفهوم الحاكم في المدينة الفاضلة على وجه التحديد وما ينطوي فيه من نقاط مهمة.

وكما لفت الفارابي الشيخ فضل، أثار فيّ أيضاً الاهتمام الشديد منذ البكالوريا القسم ثان – التي كانت تسمى شهادة الفلسفة – ثم بعد ذلك في سنوات الإجازة والدبلوم، لكثرة ما توقف عنده أساتذتي الأفذاذ الذين رحل معظمهم اليوم، عبد الحلو في البكالوريا قسم ثان، ثم جميل صليبا وماجد فخري وخليل الجر وألبير نادر وغيرهم طوال سنوات الإجازة والدبلوم في كلية التربية في الجامعة اللبنانية بين 1968 و1973، أساتذة كبار لا أنسى حضورهم القوي في حياتي الشخصية العلمية، كما حياتنا الفكرية في الحقبة تلك، وكلهم تناولوا الفارابي بمؤلفات أو أجزاء من مؤلفات أو حققوا بعضاً من أعماله كما فعل ألبير نادر. وكان بعض تأثير الحقبة تلك أحد أبحاثي الرئيسية الذي نشر مطلع الثمانينات بعنوان ’الحاكم الفيلسوف بين الفارابي وأفلاطون’.

أكثر ما أذهلني من أعمال الفارابي عملان: الأول في المنهج والثاني في السياسة العملية أو الأخلاق. كتابه المختصر في المنهج هو رسالته في ’إحصاء العلوم’، والتي أظهرت جرأة وثقة بالنفس عالية لدى الفارابي وإلى الدرجة التي سمح له أن يتصدى لمسألة بالغة التعقيد وهي تقسيم العلوم، وفق مادتها وشكلها، وكما لو كان أرسطو قديماً، أو فولتير أو ديدرو أو أوغست كونت حديثاً. ثقة الفارابي العالية تلك بمعارفه ومنهجه تشير أيضاً إلى الجو العلمي المزدهر الذي كان ساد بغداد وغيرها من الحواضر الإسلامية في القرنين الثالث والرابع. كان هناك بعض من سبق الفارابي إلى تقسيمات من هذا النوع، (أخوان الصفا) لكن تقسيم الفارابي جاء أكثر علمية ودقة، وبمفردات أقل بكثير، وكما لو أنه التزم تماماً بمقص أوكام كما سيقال مطلع عصر النهضة في أوروبا.

أما عمل الفارابي الثاني اللافت بل المذهل فهو الذي دار عليه جهد الشيخ فضل في كتابه الذي نحن بإزائه في هذه الأمسية ’كتاب أراء أهل المدينة الفاضلة’.

لم يفت المؤلف أن يشير في غير مكان أن عمل الفارابي في المدينة الفاضلة هو بناء على ما كان أرساه في الكتاب الذي أسمي ’الجمهورية’، أو جمهورية أفلاطون على ما بات شائعاً.

لكن التشابه الأولي سرعان ما يزول حين نقارن مدينة الفارابي بجمهورية أفلاطون، فأهمية كتاب المدينة الفاضلة، ونقاط تميز مدينته عن جمهورية أفلاطون هي أكثر من ذلك بكثير، في ما نطق به أو سطره حيناً وفي المسكوت عنه السياسي وربما الديني حيناً أخر. بعض نقاط الافتراق تلك، رفض الفارابي شيوعية النساء والتربية الجماعية للأطفال والموقف من المرأة، ورفض ثبات التقسيم الطبقي الأفلاطوني إلى غير ذلك من التفاصيل.

لقد أشار المؤلف إلى الكثير من النقاط تلك، فوضع المؤلف النقاط الصحيحة على الحروف الصحيحة أكثر من مرة وفي سياق إظهاره أهمية عمل الفارابي، وبعضه النص الذي ينقله عن د.  محسن صالح وهو تكرار لنصوص مشابهة كثيرة، يقول فيه، (ص 58): "شكل الفارابي ذروة الرؤيا الفلسفية الاجتماعية في الفكر الإسلامي، حيث تجاوز أفلاطون وأرسطو، وحاول محاكاة المجتمع الذي عاش فيه من أجل تثبيت قيم العدالة والفضيلة والعقل آخذا من مبادئ الفلسفة والدين الإسلامي ما يمكن أن يقدم صورة متوازنة لحياة الإنسان في مدينة يحكمها أو يرأسها إنسان اكتملت فيه الصفات الإلهية، فمرة يسميه الحكيم الفيلسوف، ومرة يسميه النبي أو الإمام..".

يعبّر النص عن إشكالية المدينة الفاضلة ومواصفات الحاكم فيها لدى النخب العربية الإسلامية في نهاية القرن الثالث التي هالها الحالة المتدنية التي بلغتها السلطة العربية الإسلامية في كل المجالات، من جهة، وأولوية الحاكم من جهة ثانية، في كل مدينة أو دولة، ومنها الدول الواقعية التي عاصرها أو عرفها الفارابي. وكنت أود لو بذل المؤلف جهداً اكبر في ربط أفكار الفارابي في المدينة الفاضلة بسياسة المدن غير الفاضلة التي عاصرها أو عرفها، والى الحد الذي بدت فيه مواصفات مدينته والحاكم فيها نقيضاً مباشراً لفساد دول عصره وحكامها. 

تكمن أهمية الفارابي المتفردة إذاً وكما أظهرها البحث في كتاب الشيخ المخدر، لا في نقله التجربة الافلاطونية الافتراضية والمثالية إلى درجة اللاواقعية، فقط، بل في محاولته التوفيق بين المثل الأفلاطونية والأثينية من جهة والشرع الإسلامي من جهة ثانية، والفارابي لم ير أنه من الحكمة والواقعية في شيء استنساخ مثل الجهورية الأفلاطونية الفظة وغير الواقعية واقتراحها على مجتمع كتابه بالكامل القرآن وشرعه الفقه المتقادم والمتراكم منذ عهد الرسول.    
      
محاولة الفارابي الطموحة تلك، أي التوفيق بين مبادئ الفلسفة ومقتضيات الشرع الإسلامي، هي التي جعلت المستشرقين ومؤرخي الفلسفة العربية الإسلامية على ما أورد المؤلف في عشرات الأمكنة يضعون فلسفة الفارابي بمثابة القاطرة التي جرّت بعدها وعلى سكتها كامل الفلسفة العربية الإسلامية لجهة الموضوعات المفتاحية والأساسية من مثل نص المستشرق ماسينيون الذي يورده المؤلف والذي يقول فيه "إن الفارابي أفهم فلاسفة الإسلام، وأذكرهم للعلوم القيمة، وهو الفيلسوف فيها لا غير، وه مدرك محقق" – ونظراً لخطورة ما انطوى عليه نص ماسينيون كنت أفضل أن تكون العودة إلى المصدر، أي إلى ماسينيون مباشرة أو مترجماً، وهو متاح، لا إلى مرجع من خارج الحقل الثقافي لماسينيون. لكن ذلك لا ينال بالتأكيد من صحة أورده ماسينيون وما عاد إليه المؤلف غير مرة وهي التوفيقية التي ستطبع الفلسفة الإسلامية مشرقاً ومغرباً بطابعها.

لكن النص هو في الآن نفسه تعبير عن أزمة الفلاسفة العرب المسلمين في أكثريتهم الساحقة، وهي حاجتهم المستمرة أو الغالبة إلى إعلان توافق مشروعهم الفلسفي مع الشرع الإسلامي. تلك هي سمة فلسفة الفارابي وإبن سينا وإبن طفيل وإبن رشد إلى حد ما – رغم أن باطن نصه وبخاصة في تهافت التهافت تضمن ما يخرج كلياً عن التوفيقية تلك. التوفيقية تلك هي التي جعلت المستشرقين يقولون عن الفلسفة العربية أنها فلسفة إتباع لا إبداع، فلسفة لاحقة وليست سابقة.

نصل إلى ’أراء أهل المدينة الفاضلة’ والحاكم فيها موضوع عمل الشيخ فضل. هي محاولة جريئة من الفارابي في تصميم نظام حكم فيها، واقتراح مواصفات رئيس لها، على نحو متكامل مثالي – واقعي أي ما يجعلها مدينة فاضلة من جهة وواقعية قابلة للتطبيق من جهة ثانية، مقدمة للأمة الفاضلة والمعمورة الفاضلة من ثمة.

في هذا المجال، وباختصار شديد، لم يكن الفارابي معنياً، كما اعتقد، بجلب الدين إلى الفلسفة، بل بجلب الفلسفة ومثلها ومبادئها إلى الحياة العامة – وصورة الفيلسوف الذي يجب أن يكون الحاكم، أو الحاكم الذي يجب أن يكون فيلسوفاً (لدى أفلاطون) لم تفارقه كما أعتقد.

هذه الفكرة تنقض التوفيقية والاتباعية المطلقة التي ما انفك المستشرقون يلصقونها بالفلسفة العربية. محاولة الفارابي اقتراح نظام حكم فلسفي أفلاطوني لمدينته، وحاكم بمواصفات فلسفية زهدية متقشفة، هي الأولى من نوعها في الفكر السياسي العربي الإسلامي. وهنا أسمح لنفسي بالقول أن كل محاولة ضيقة لتفسير الفارابي هي قاصرة، إذ لو كان مشروعه الفلسفي مجرد غطاء لمشروعه الديني الضمني، أياً يكن، لما كان محتاجاً إلى كل الجهد الفلسفي الذي بذله. كان في وسعه العودة إلى تراث ضخم في الفقه السياسي والاجتماعي الإسلامي، السني والشيعي، وانتقاء ما يلائم هواه منه نظاماً سيسياً لمدينته الفاضلة – طالما أن القرآن الكريم دستور المسلمين لم يحتو على نظام حكم للمجتمع الإسلامي وللبشر من ثمة. أوليس في ذلك من العبرة للذين ما انفكوا يصرّون على دولة إسلامية بنظام حكم إسلامي أو خلافة إسلامية أو ما شابه من مسميات سياسية (!) بينما آيات القرآن الكريم العظيم تركت الأمر برمته للمجتمعات الإسلامية والإنسانية لتختار ما يلائمها من أنظمة حكم واجتماع وعلى قاعدة الحديث النبوي الذي اختصر حكمة التاريخ بأكملها حين قال: "أهل مكّة أدرى بشعابها". هل بعد ذلك من حاجة لإيضاح؟ ومن تزكية لحرية البشر ومن ثقة برجحان عقلهم وحسن اختيارهم وتدبّرهم؟

رحم الله أمير البيان وشيخ العروبة والإسلام، الأمير شكيب أرسلان، حين أنهى رسالته الجوابية على استفسار أهل جاوة الذين سألوه سنة 1925 "لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم، فقال: أعداء الإسلام اثنان، مسلم جاحد لا يعترف بفضل الإسلام، ومسلم جامد لا يساير التقدن الحضاري الجاري ولا يأخذ بأسبابه.

كذلك رحم الله الإمام محمد عبده المصلح الكبير عند مفترق القرنين التاسع عشر والعشرين الذي قال حين سئل عن الانطباع الذي خرج به من رحلته بل من منفاه في بلاد الغرب فقال: رأيت هناك إسلاماً ولم أر مسلمين، وأرى هنا مسلمين لكني لا أرى إسلاماً!

لو نعتبر بما جرى ويجري، ولو تكون لنا الشجاعة لتسمية الأشياء بمسمياتها، لغدونا قريبين من الدين الحنيف ومسلمين حقيقيين. ولكن هيهاتِ لنا ذلك، وبيننا من يدعو جهاراً وليل نهار ومن دون خجل إلى الفتنة، الدينية مع الأديان الأخرى، والمذهبية داخل الإسلام نفسه. بل كيف يصح إسلام من يكفّر الآخر، كل آخر، بسبب من انتمائه في العقيدة أو الفكر أو الانتماء أو الثقافة أو طريقة العيش. وما هو الأصل الذي استند إليه فيما عشرات الآيات الكريمة تعنّف الظالم والمفتري والفظ، بل هل من سند ديني في التاريخ يفوق قوله تعالى الصريح" لو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين"(!) (هود 118) أليس في ذلك دعوة صريحة إلى التنوع والتعددية وقبول لآخر!  

هذا بعض ما أوحى به إلي الكتاب الرصين العقلاني المنفتح لفضيلة الشيخ فضل المخدّر. وحين أقول ذلك فأنا أعني سلسلة طويلة من المسائل التي أحكم القول فيها، ومن المقارنات التي أجاد التقاط وجوه التقابل والتنافر فيها، ومضادات المدينة الفاضة وبخاصة الجاهلة ومدلولاتها،  إلى مواصفات الرئيس أو الحاكم أو الإمام التي قرأ سطورها، وما بين سطورها. وأنهي بما أنها به الشيخ فضل كتابه:
" مصطلح المدينة الفاضلة مصطلح تاريخي أبعد من مرحلة الفكر الإغريقي، وقد اعتمد الفارابي هذا المصطلح دون المطابقة في الحرف والمضمون....وإن كان أفلاطون قد جعل مجال تحقق جمهوريته يحصل بتحقق العدالة، فإن العدالة عند المسلمين أحد أسمى وأرقى مبادئ تحقق المجتمع أو الدولة، بل هي عند البعض منهم من أصول الدين والمعتقد....وقد قامت نظرية الفارابي على مرتكز السعادة هدفاً منشوداً لمجتمع مدينته أو دولته.. وهي تتنافى مع أي أمر يتنافى مع العدالة". (ص233)
أكرر تهنئتي للدكتور الشيخ فضل بصدور عمله الجديد الممتاز وإلى المزيد.

الكلمة الختامية كانت للمؤلف حيث شكر المنتدين والحضور و دار الأمير التي نشرت الكتاب، ونظّمت هذه الندوة الفكرية.

لقطات مصورة من الحفل
hakem1
 hakem2
 hakem3  hakem4
 hakem19  hakem21
 hakem9  hakem10
 hakem11  hakem12
 hakem13  hakem14
 hakem15  hakem17
 hakem16  hakem22

تغطيات إعلامية لحفل توقيع كتاب الحاكم عند الفارابي

 جريدة البناء
 موقع المنار
 ملتقى الألوان الفني
موقع يا صور
 ليبانون نيوز
 شبكة الأخبار الدولية  قناة العالم
 موقع بلدتي الجنوبية
 شبكة الضاحية الإعلامية
     


عدد القرآت 5226

الإسم
البريد
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

جميع الحقوق محفوظة لدار الأمير © 2008