الصفحة الرئيسة البريد الإلكتروني البحث
الهبوط الآمن في صحراء شريعتيعلي شريعتي/ العرفان الثوريهبوط في الصحراء مع محمد حسين بزيهوية الشعر الصّوفيالمقدس السيد محمد علي فضل الله وحديث الروحعبد المجيد زراقط في بحور السرد العربيقراءة في كتاب التغيير والإصلاحبرحيل الحاجة سامية شعيب«إحكي يا شهرزاد» اهتمام بشؤون المرأة المعاصرةالنموذج وأثره في صناعة الوعيتبادل الدلالة بين حياة الشاعر وحياة شخوصهالشيعة والدولة ( الجزء الثاني )الشيعة والدولة ( الجزء الأول )الإمام الخميني من الثورة إلى الدولةالعمل الرسالي وتحديات الراهنحريق في مخازن دار الأميردار الأمير تنعى السيد خسرو شاهيإعلان هامصدر حديثاً ديوان وطن وغربةعبد النبي بزي يصدر ديوانه أصحاب الكساءتوزيع كتاب هبوط في الصحراء في لبنانإطلاق كتاب هبوط في الصحراءصدور هبوط في الصحراءمتحدِّثاً عن هوية الشعر الصوفينعي العلامة السيّد محمد علي فضل اللهندوة أدبية مميزة وحفل توقيعاحكي يا شهرزاد في العباسيةفي السرد العربي .. شعريّة وقضاياحوار مفتوح مع د. يوسف زيدانمعرض مسقط للكتاب 2019متواليات تراثيةمتواليات صوفيةالتصوف وفصوص النصوص الصوفيةدار الأمير تنعى د. بوران شريعت رضويالعرس الثاني لـ شهرزاد في النبطيةصدر حديثاً كتاب " حصاد لم يكتمل "جديد الشاعر عادل الصويريدرية فرحات تُصدر مجموعتها القصصيةتالا - قصةسِنْدِبادِيَّات الأرز والنّخِيلندوة حاشدة حول رواية شمسندوة وحفل توقيع رواية " شمس "خنجر حمية وقّع الماضي والحاضرمحمد حسين بزي وقع روايته " شمس "توقيع رواية شمستوقيع المجموعة الشعرية قدس اليمندار الأمير في معرض بيروتتوقيع كتاب قراءة نفسية في واقعة الطفدار الأمير في معرض الكويتمشاكل الأسرة بين الشرع والعرفالماضي والحاضرالفلسفة الاجتماعية وأصل السّياسةتاريخ ومعرفة الأديان الجزء الثانيالشاعرة جميلة حمود تصدر دمع الزنابقبيان صادر حول تزوير كتب شريعتي" بين الشاه والفقيه "محمد حسين بزي أصدر روايته " شمس "باسلة زعيتر وقعت " أحلام موجوعة "صدر حديثاً / قراءة نفسية في واقعة الطفصدر حديثاً / ديوان جبر مانولياصدر حديثاً / فأشارت إليهصدر حديثاً / رقص على مقامات المطرتكريم وحفل توقيع حاشد للسفير علي عجميحفل توقيع أحلام موجوعةتوقيع ديوان حقول الجسدباسلة زعيتر تُصدر باكورة أعمالهاالسفير علي عجمي يُصدر حقول الجسدصدر حديثاً عن دار الأمير كتاب عين الانتصارجديد دار الأمير : مختصر كتاب الحج للدكتور علي شريعتيصدر حديثاً كتاب دم ابيضاصدارات مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي
الصفحة الرئيسة اّخر الإصدارات أكثر الكتب قراءة أخبار ومعارض تواصل معنا أرسل لصديق

جديد الموقع

الهبوط الآمن في صحراء شريعتيعلي شريعتي/ العرفان الثوريهبوط في الصحراء مع محمد حسين بزيهوية الشعر الصّوفيالمقدس السيد محمد علي فضل الله وحديث الروحعبد المجيد زراقط في بحور السرد العربيقراءة في كتاب التغيير والإصلاحبرحيل الحاجة سامية شعيب«إحكي يا شهرزاد» اهتمام بشؤون المرأة المعاصرةالنموذج وأثره في صناعة الوعيتبادل الدلالة بين حياة الشاعر وحياة شخوصهالشيعة والدولة ( الجزء الثاني )الشيعة والدولة ( الجزء الأول )الإمام الخميني من الثورة إلى الدولةالعمل الرسالي وتحديات الراهنحريق في مخازن دار الأميردار الأمير تنعى السيد خسرو شاهيإعلان هامصدر حديثاً ديوان وطن وغربةعبد النبي بزي يصدر ديوانه أصحاب الكساءتوزيع كتاب هبوط في الصحراء في لبنانإطلاق كتاب هبوط في الصحراءصدور هبوط في الصحراءمتحدِّثاً عن هوية الشعر الصوفينعي العلامة السيّد محمد علي فضل اللهندوة أدبية مميزة وحفل توقيعاحكي يا شهرزاد في العباسيةفي السرد العربي .. شعريّة وقضاياحوار مفتوح مع د. يوسف زيدانمعرض مسقط للكتاب 2019متواليات تراثيةمتواليات صوفيةالتصوف وفصوص النصوص الصوفيةدار الأمير تنعى د. بوران شريعت رضويالعرس الثاني لـ شهرزاد في النبطيةصدر حديثاً كتاب " حصاد لم يكتمل "جديد الشاعر عادل الصويريدرية فرحات تُصدر مجموعتها القصصيةتالا - قصةسِنْدِبادِيَّات الأرز والنّخِيلندوة حاشدة حول رواية شمسندوة وحفل توقيع رواية " شمس "خنجر حمية وقّع الماضي والحاضرمحمد حسين بزي وقع روايته " شمس "توقيع رواية شمستوقيع المجموعة الشعرية قدس اليمندار الأمير في معرض بيروتتوقيع كتاب قراءة نفسية في واقعة الطفدار الأمير في معرض الكويتمشاكل الأسرة بين الشرع والعرفالماضي والحاضرالفلسفة الاجتماعية وأصل السّياسةتاريخ ومعرفة الأديان الجزء الثانيالشاعرة جميلة حمود تصدر دمع الزنابقبيان صادر حول تزوير كتب شريعتي" بين الشاه والفقيه "محمد حسين بزي أصدر روايته " شمس "باسلة زعيتر وقعت " أحلام موجوعة "صدر حديثاً / قراءة نفسية في واقعة الطفصدر حديثاً / ديوان جبر مانولياصدر حديثاً / فأشارت إليهصدر حديثاً / رقص على مقامات المطرتكريم وحفل توقيع حاشد للسفير علي عجميحفل توقيع أحلام موجوعةتوقيع ديوان حقول الجسدباسلة زعيتر تُصدر باكورة أعمالهاالسفير علي عجمي يُصدر حقول الجسدصدر حديثاً عن دار الأمير كتاب عين الانتصارجديد دار الأمير : مختصر كتاب الحج للدكتور علي شريعتيصدر حديثاً كتاب دم ابيضاصدارات مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي

أقسام الكتب

مصاحف شريفة
سلسلة آثار علي شريعتي
فكر معاصر
فلسفة وتصوف وعرفان
تاريخ
سياسة
أديان وعقائد
أدب وشعر
ثقافة المقاومة
ثقافة عامة
كتب توزعها الدار

الصفحات المستقلة

نبذة عن الدار
عنوان الدار
دار الأمير وحرب تموز 2006
About Dar Al Amir
Contact Us
شهادات تقدير
مجلة شريعتي
مواقع صديقة
هيئة بنت جبيل
اصدارات مركز الحضارة

تصنيفات المقالات

عملاء حرب تموز
ريشة روح
قضايا الشعر والأدب
شعراء وقصائد
أقلام مُقَاوِمَة
التنوير وأعلامه
قضايا معرفية
قضايا فلسفية
قضايا معاصرة
الحكمة العملية
في فكر علي شريعتي
في فكر عبد الوهاب المسيري
حرب تموز 2006
حرب تموز بأقلام اسرائيلية
English articles

الزوار

11327020

الكتب

279

القائمة البريدية

 

التوحيد التقديس والقداسة

((قضايا معاصرة))

تصغير الخط تكبير الخط

التوحيد التقديس والقداسة

      إيمان شمس الدين *
         
مقدمة:

toppicكثيراً ما كُتِبت مقالات حول موضوع التقديس والقداسة ،وعل إبداء كل هذا الاهتمام الفكري والثقافي حول هذا الموضوع يعكس هاجس يعيشه كثيرا من النخب والعلماء حول إرهاصاته ومآلاته ومخرجاته وانعكاسها على الواقع الإنساني والاجتماعي وعلى مسارات الابداع وحرية التفكير والتنمية في كافة مجالاتها.

فأغلب عمليات الاقصاء والتهميش والقتل الاجتماعي لكثير من العقول كانت نتاج فكرة التقديس والقداسة ،وكم خسرنا في مسيرتنا عقولا دفنت تحت التراب أو أسقطت اجتماعيا فتلاشى تأثيرها فقط كونها مست خطوطا حمراء وضعتها إما ثقافة العقل الجمعي المجتمعي أو ثقافة المشهور والإجماع ،أو هيمنة المقدس دون معيار يحدد حقيقة قداسته.

إننا هنا لسنا بصدد محاكمة أشخاص وأفراد بقدر ما أننا بصدد تقييم أفكار واعتقادات تقييما ندعي موضوعيته وننشد منه الخروج برؤية موضوعية تجعلنا قادرين على إعادة النظر والنهوض مجددا بكل العقول حيث خيركم من جمع العقول إلى عقله.

مدخل:

التوحيد كأصل لكل الأصول ،بل أي أصل يأتي في طوله تماما،هو كفكرة تأسيسية للحرية والتحرر الحقيقي من كل أرجاس الشرك الخفي والجلي ،بل هو تحرير للإنسان من أي سلطة مسيطرة غير سلطة الله.

وهنا يصبح الله هو المهيمن والمحدد لمسارات الإنسان في هذه الدنيا، فمنه تحدد هويات القيادات المفترضة الطاعة في طول طاعته ، ومنه ترسم حدود القداسات وماهيات المقدس، وهنا لا ننكر مدخلية الزمان والمكان والعقل الإنساني في ذلك، وهو ما رسمه الله بيد قدرته المُهنَدسَة وفق مقتضيات الواقع الإنساني، حيث جعل للعقل مكانة مهمة في طول تشريعاته ،متسقة مع الرؤية الكونية بحيث تنسجم كلها (العقل والوحي والطبيعة) انسجاما طوليا وليس عرضيا.

لذلك كان التوحيد أساسا في الوجود الإنساني كي يزيل كل العوائق أمام عقل الإنسان لينعكس بإبداعه على واقعه الاجتماعي فيعمر الأرض بما يخدم وجوده في الدنيا والآخرة.

* التوحيد : وحدة السلطة وتعدد السبل

"قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون" آل عمران ـ ٦٤

كانت هذه الآيات قد نزلت بحق نصارى نجران وآخرون نقلوا أنها نزلت بحق أهل الكتاب كافة، لكننا هنا لسنا بصدد أسباب النزول بقدر ما نحن بصدد الوقوف على دلالات هذه الآية وكيفية الاستفادة منها والبناء عليها بمنهج عملي في التعاطي مع موضوعات التوحيد والسلطة والقبول بتعدد السبل في الوصول إلى الله.

فهنا القرآن يطرح منهجا عقليا منطقيا في التعاطي مع المختلف في الدين ،وآليات خلق مساحات اشتراك يمكن البناء عليها في سبيل التعاون في إعمار الأرض على مبدأ نفي الشرك وترسيخ مبدأ التوحيد ، والدفع باتجاه تفعيل العقل في مواءمة مسارات الحراك الإنساني مع إرادة الله وتشريعاته وليس وفق إرادة البشر مهما اختلفت مواقعهم وأفهامهم للتشريع الالهي أو وفق تشريعاتهم الخاصة.

فبالرغم من الاختلاف بين المسلمين والمسيحيين واليهود إلا أن الله تعالى يعلمنا أن نخلق مساحات اشتراك أساسها التوحيد ،فالمسيحيون يؤمنون بالتثليث المنتهي للرب واليهود يؤمنون بأن العزيز ابن الله ،إلا أنهم يشتركون جميعهم مع المسلمين بالاقرار بوجود الرب ، وهذا الإقرار يعتبر قاعدة انطلاق للجميع كي يبنوا على الشيء مقتضاه في بناء مشاريع عمل مشتركة تحقق هذا الإقرار بوجود الرب ،وتصب في صالح عمارة الأرض على هذا الأساس.فلا يدعي أحد ما ادعاه فرعون "أنا ربكم الأعلى" بهدف التأمر على رقاب العباد واستغلال طاقاتهم وثرواتهم ،ليس في إعمار الأرض وإرساء العدالة وإنما في هدم إنسانيتهم ،والزج بهم في مشاريع فرعونية مآلاتها تنتهي في صالح فرعون وحاشيته من الملأ.

وقد وضع الله تعالى أسسا ثلاث كشروط مبدئية لخلق جو عمل مشترك :
        ١.عبادة الله وحده
        ٢.عدم الشرك به
        ٣.عدم اتخاذ الأرباب فيما بينهم على بعضهم البعض.


١.عبادة الله وحده:
إن التأسيس لمرجعية معرفية وفكرية ملهمة واحدة ترفع كل الأغلال وتفك الوثاق عن عقل الإنسان ، وتجعل الله المطلق الملهم الحقيقي لصناعة هذه العقول والتي هي مركز الإشعاع في حياة الإنسان الدنيوية وسبيله نحو الآخرة ،فإذا ما استقامت هذه العقول وفق إرادة الخالق فإنها تعتبر المؤسس لأفكاره وعواطفه وسلوكه على مستواه الذاتي والأسري والاجتماعي ، فتنتظم أموره في إدارة ذاته ومجتمعه ومدنه وسياسة الأمر وفق الخطة والمنهج الإلهي.

والعبادة هنا الاتباع الدقي المنهجي نظريا وعمليا ، ولكن كيف يتم ذلك ؟

إن الإقرار بوحدانية الله وعدم عبادة غيره تدفع الإنسان بعد هذا الاإقرار بالسعي نحو البحث عن المنهج الموصل لله تعالى من خلال الله تعالى وليس من خلال أهوائه وأهواء الآخرين ،فإذا ما بعث نبي من الله معلما وهاديا إلى الله ،كان العقل محل البحث والتحقيق والتحقق من صدق هذا النبي ومن ثم الاقرار بنبوته.

فكل الأنبياء الذين بعثوا بأمر الله تعالى كانت دعوتهم قائمة على البينة والدليل والبرهان المحاكي لعقل الإنسان، والموافق للفطرة المتفقة مع العقل.

وبعد إثبات النبيوة بالدليل غالبا وبالإعجاز أحيانا تبدأ مسيرة اتباع النبي المرسل بتشريعات الله تعالى.

وهنا ندخل في الشرط الثاني في منهج العمل المشترك وهو:

٢. عدم الشرك بالله
إن وجود نبي تتجلى فيه قدرة الله وصفاته باعتباره الصادر الأول ، وكون البشر حسيين بالدرجة الأولى في تلقي المعارف والحقائق قد يدفع كثيرين إما إلى تكذيب هذا النبي أو تصديقه أو تأليهه كما فعل اليهود والنصارى.

ونحن هنا بصدد الشرك وهو التأليه الذي وقع فيه أهل الكتاب، فكيف يمكن لهذا النبي الجامعية بين الهداية من جهة والتوحيد من جهة أخرى ؟

        هنا النبي يكون أمام عدة مهام:
        ١. إدارة النفوس
        ٢.إدارة العقول
        ٣.إدارة المجتمع
        ٤.إدارة الدولة


فالنبي (ص) كان يبدأ بإدارة النفوس قبل العقول كي يبقيها محلقة حول الله ، كون النفس لها أبعاد وخفايا ومداخل ومخارج كثير منها يخضع للهوى والوسواس،وانضباط النفس في طول الله لا في عرضه يعصمها من الانزلاقات الخطيرة نحو الشرك الخفي ،خاصة أن النبي ص كان حريصا على سوقها لله لا لذاته ،واستمرار النبي في هذه المهمة من جهة وفي إبقاء وجوده في ذهنية الناس في طول الله لا في عرضه من جهة أخرى كانت مهمة شاقة ،كون البشر حسيوا الطبع وهو مشاهد وملموس، بينما الله غيب مطلق يتجلى في عباده بدرجات قابلياتهم وفي أنبيائه بدرجات مهامهم ورسالاتهم ،فكان النبي محمد ص الصادر الأول الذي يتلقى الفيض مباشرة من الله إلى خلقه دون واسطة.

لذلك وجود معصوم تتجلى فيه صفات الله وأفعاله يكون جاذب للناس ، ويكون المعصوم هنا أمام مهمة صعبة ذات جنبتين:

ـ الجنبة الاولى مهمته في ايصال الناس لله عبره كونه البوابة إليه .

ـ الجنية الثانية قدرته على إدارة تلك النفوس قبل عقولها ( يزكيهم ويعلمهم) كي يبقيها منجذبة للخالق لا له كمخلوق.كي يبقى في طوله لا في عرض الله وهي مهمة شاقة كون " ان الانسان ليطغى"،كون الناس قد يحولوه لإله كما فعل اليهود والنصارى.

لذلك كان الكاظم ع يقول للرشيد أنت أمير الاجساد وأنا أمير القلوب ،فإدارة النفس دقيقة جدا وصعبة وهي مقدمة على إدارة العقل ،وهو ما يحتاجه المسؤول والقائد والأم وكل من يكون في موقع إدارة حتى يحفظ كينونة الجماعة من جهة ، ويربطها طوليا بالخالق من جهة أخرى حيث يمثل في هذه المهمة الواسطة في الربط والفيض لا أصل الفيض والارتباط.

لذلك المرحلة الأولى كانت مهمة التأسيس لعبادة الله وحده ونفي الشريك عنه في كل مراتب النفس والحياة ، قولا وفعلا.

٢. عدم الشرك به
وهنا يبدأ التطبيق العملي لما تم تأسيسه على مستوى العقل وترسيخه في النفس ، وهو ما يتطلب الدقة في مستويات عدة حددتها الشريعة وأقرتها الفطرة وأمضاها العقل البشري :

        ١. مرتبة النفس ودور النية في توجيه الفكرة عمليا لمن وباتجاه من ولأجل من.
        ٢. مرتبة السلوك كي ينطبق مع توجيهات وإرادة الله لا توجيهات النفس والمجتمع والوجهاء.
       ٣.مرتبة الآخر بما يمثله الآخر من إنسان أو مجتمع أو طبيعة ، لينطبق التعاطي مع هذا الآخر وفق إرادة الخالق وتعليماته كي يصبح هناك تناغم وتوافق بين النفس والخارج والطبيعة.


وفي هذا الصدد نلحظ بعض أسرار كلمة الله أكبر واعتبارها في الصلاة ركنا من الإركان الواجبة التي تبطل الصلاة بنسيانها عمدا أو سهوا، وعدد هذه التكبيرات يوميا وفي كل الفترات الزمانية من اليوم ، وانعكاس ذلك تربويا على النفس وسلوكيا على سعي الإنسان اليومي في الحياة والمجتمع وفي كل العلاقات المحيطة به، كون الإقرار يوميا في خمس صلوات بأن الله أكبر هو ترجيح لإرادة الله في كل شيء ،إقرارا يفترض أن يقترن في إقرار النفس والنية بالعمل وهو ما أكده الله تعالى حينما قال :"كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون" الصف –آية ٣ .

ثم التأكيد على كون هذه الصلاة التي نؤديها يوميا خمس مرات أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر،وكون هذا النهي متمثلا بالنهي النفسي والسلوكي والاجتماعي.

فالصلاة التي فيها تتمظهر العبودية لله وحده ،وألوهية وربوبيته وحده دون شريك ،الاقرار المكرور في الصلوات لهذه الحقيقة تقترن بضرورة اقتران هذا الإقرار بالعمل من خلال انتهاء النفس والمجتمع الملتزم بهذه الصلوات عن الفحشاء والمنكر ، وعل أجلى أنواع المنكر هو الفتنة وما يترتب عليها من سفك للدماء وانتهاك للأعراض والكرامات تحت مدعيات دينية فرغت من محتوى عبادة الله وحده وعدم اتخاذ الشريك.

فقد قال الإمام علي عليه السلام في نهج البلاغة:"وإياكم والفرقة فإن الشاذ من الناس للشيطان ،كما أن الشاذ من الغنم للذئب.ألا من دعا إلى هذا الشعار فاقتلوه ولو كان تحت عمامتي هذه."كان ذلك من كلام له عليه السلام للخوارج.

وهنا نري الدقة في الوحدة والاتحاد ، والدقة في الدعوة لها والحساسية من الفرقة بين الناس في كل مستوياتهم، كونها مظهرا من مظاهر الشرك بالله ،فالله ينهى عن الفحشاء والمنكر ومن أشد أنواع المنكر الفتنة التي تقوم على أساس الاختلاف الداعي للخلاف والتناحر ، حيث عبادة الله وحده تقتضي عدم الشرك به، وعدم الشرك به تقتضي اتباع أمره وحده لكي تتحقق العبادة، وحينما نخرج عن أوامر الله ونواهيه يتحقق الشرك بمراتبه الخفية.ومن مظاهر الفتنة :

        ١.عدم وجود جو علمي موضوعي يقبل الآراء وتعددها ،ويواجه ذلك بالقتل الاجتماعي من خلال أدوات عديدة منها الفتوى ،أو التشهير بصاحب الرأي ،أو إقصاءه اجتماعيا وعلميا.
        ٢.العصبيات وما ينتج عنها من مخرجات تفتت وحدة المجتمع وتفتك بأمنه بل تصل لدرجة هدر الدماء المحترمة دون وجه حق.
        ٣.توظيف الدين في المحاججات والنزاعات وممارسة دور الله في حق الناس خاصة المختلفين عقديا وعلميا وفكريا.


 ٣.عدم اتخاذ الأرباب فيما بينهم على بعضهم البعض:

"فمن حيث أفاد أن المجتمع الإنساني على كثرة أفراده وتفرق أشخاصه أبعاض من حقيقة واحدة هي حقيقة الإنسان ونوعه فما أودعته فيه يد الصنع والإيجاد من الاستحقاق والاستعداد الموزع بينهم على حد سواء يقضي بتساويهم في حقوق الحياة واستوائهم على مستوى واحد، وما تفاوت فيه أحوال الأفراد واستعدادهم في اقتناء مزايا الحياة من مواهب الإنسانية العامة التي ظهرت في مظاهر خاصة من هاهنا وهناك وهنالك يجب أن تعطاه الإنسانية لكن من حيث تسأله، كما أن الازدواج والولادة والمعالجة مثلا من مسائل الإنسانية العامة لكن الذي يعطى الازدواج هو الإنسان البالغ الذكر أو الأنثى، والولادة يعطاها الإنسان الأنثى والعلاج يعطاه الإنسان المريض.
         
وبالجملة أفراد الإنسان المجتمع أبعاض متشابهة من حقيقة واحدة متشابهة فلا ينبغي أن يحمل البعض إرادته وهواه على البعض إلا أن يتحمل ما يعادله، وهو التعاون على اقتناء مزايا الحياة، وأما خضوع المجتمع أو الفرد لفرد أعني الكل أو البعض لبعض بما يخرجه عن البعضية، ويرفعه عن التساوي بالاستعلاء والتسيطر والتحكم بأن يؤخذ ربا متبع المشية، يحكم مطلق العنان، ويطاع فيما يأمر وينهى ففيه إبطال الفطرة وهدم بنيان الإنسانية.
         
وأيضا من حيث إن الربوبية مما يختص بالله لا رب سواه فتمكين الإنسان مثله من نفسه يتصرف فيه بما يريد من غير انعكاس، اتخاذ رب من دون الله لا يقدم عليه من يسلم لله الأمر.
         
فقد تبين أن قوله: ﴿ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله﴾ يفصح عن حجتين فيما يفيده من المعنى: إحداهما كون الأفراد أبعاضا، والآخر كون الربوبية من خصائص الألوهية. "الميزان في تفسير القرآن سورة آل عمران آية ٦٤

وهنا إقرار بوحدة الجميع من حيث القيادة لتكون ربانية المصدر ،ولكنها وحدة ليست لاغية لعقل الإنسان ، ولا لإبداعه وإنما وحدة لاغية لسلطة الآخرين وفق أهوائهم ومواقع نفوذهم وقدراتهم على من هم أقل قدرة ونفوذ، بطريقة تسيطر على الآخرين سيطرة هيمنة وإلغاء وإقصاء وقتل بما يضر بإرادة الإنسان وحريته واختياره ويحد من قدرته على الإبداع بل تلك الربوبية التي تكون في عرض الله تكون حاجبة للحق والحقيقية ،وبالتالي مسخرة للإنسان في عرض إرادة الخالق، وفي غير نهجه وما حدده من طريق مختصر في الوصول إليه ،بل هو مظهر من مظاهر الشرك حيث يضع المهيمن بقدراته ونفوذه نفسه في عرض الله فيملي إرادته ومنهجه وتعليماته ومعاييره لما يراه هو من حق وحقيقة.

وهنا تنشأ الفتن ويقع الخلاف وتضيع الحقيقة والحق ويدخل الناس في النزاعات التي تصرفهم عن أصل الأهداف التي من أجلها وجدوا في هذه الدنيا.

* العلم بين قداسة العقل وتقديس العلماء

"يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون  خير أم الله الواحد القهار ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم"يوسف ـ ٤٠

"اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح بن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو" التوبة ـ ٣١.

إن ختم النبوة لا يعني انتهاء مسيرة السير إلى الله ،بل حدد االمعصوم معالم المسيرة  ومواصفات من يكمل من بعده تلك المسيرة، وكان للعقل دور كبير في التشخيص وتحديد من وكيف ولماذا، فالعلم معيار الاختيار، ولكن أي علم ومن أي عالم؟

عن الإمام الهادي (عليه السلام):
"لولا من يبقى بعد غيبة قائمنا (عليه السلام) من العلماء الداعين إليه، والدالين عليه، والذابين عن دينه بحجج الله، والمنقذين لضعفاء عباد الله من شباك إبليس ومردته، ومن فخاخ النواصب، لما بقي أحد إلا ارتد عن دين الله". ميزان الحكمة جزء 3 صفحة 2087.

لقد تمايز علماء الدين من خلال روايات أهل البيت عليهم السلام - الثقل الأصغر- بدورهم الريادي في حفظ الأمة من الانحراف ودعم مسيرتها الوحدوية والمتماسكة في وجه أي عدو يريد الفتك بها. وكلمة ورثة لها أبعادها التي تحدد الدور الحقيقي الذي يجب أن ينهض به العالم لكي يكون وارثا للنبوة وصمام الأمان للأمة, فالوراثة هنا ليست من السنخ المادي وإنما من سنخ آخر يختلف عن معاني الوراثة المادية.فوصف العلماء بأنهم ورثة الأنبياء يحدد الدور الذي يجب أن يقوم به العالم لكي يصبح الوريث الحقيقي للنبوة ولكي نحدد هذا الدور لا بد لنا من إضاءة سريعة ومقتضبة على دور الأنبياء في أقوامهم وما هي المسئوليات الإلهية التي أنيطت بهم.ونستطيع أن نحدد دورهم من خلال القرآن الكريم :

        1.(ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت),النحل(36). فيتبين أن أهم دور وأبرز دور يلعبه الأنبياء عليهم السلام هو تقوية أسس التوحيد ومكافحة كل نوع من أنواع الانحراف في هذا الصعيد.

        2.(وهو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة),الجمعة(2). فيتبين أن من وظيفة النبي أن يطلع الناس على المعارف والرسالات الإلهية ويعلمهم التزكية وطرق تهذيب النفس.

        3.(لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط),الحديد(25). فكل ما أمد به الله رسله من بينات وكتاب وميزان هدفه إقامة القسط في المجتمع لإنساني دون أن يميز في ذلك بين شخص وآخر لأن المقياس في إقامة العدل هو الإنسانية.

        4.(كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه),ا لبقرة(213).وهنا إشارة لدور النبي في الفصل في الخصومات وحل الخلافات بين الناس كل الناس.

        5.(رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما),النساء(165). ومن هنا نعلم أن الله أراد أن يتم حجته الظاهرية علينا بإرسال الرسل والأنبياء.

هذه إطلالة سريعة لأهم الأدوار التي قام بها الأنبياء في المجتمعات الإنسانية لكي نستطيع بعد ذلك أن نتلمس الدور الذي يجب أن ينهض به العالم في مجتمعه ليكون فعلا وارثا للنبوة.فالعالم في نظر الإمام الهادي عليه السلام له دور محوري في المجتمع المحيط به وسيرة أئمتنا عليهم السلام دالة دلالة واضحة على ذلك, ولقد تعرضت مسيرة العلماء عبر التاريخ للكثير من التشويهات المتعمدة لتحييد دورهم البناء في المجتمع لحمايته من أي انحراف يعصف بمسيرته ويأخذه نحو الهاوية وأهم ما تعرضت له هذه المسيرة هو ما ذكره الإمام الراحل الخميني قدس سره حيث قال "إنهم يعرضون الإسلام بشكل سيئ ويعرضون المعمم بشكل سيئ، لماذا؟ لأن ما يقف في وجههم هو الإسلام، ولأن من يريد تطبيقه هو المعمم، وأولئك لا يريدون أن يتحقق هذا الأمر، لهذا يريدون عرض الإسلام بشكل سيئ ليبتعد الناس عن الإسلام وليهمش المعمم، ويبقون هم فيفعلون ما يحلو لهم"

ومن هم هؤلاء الذين يقومون بهذا الدور الخطير؟ إنها الثقافة والمفاهيم الغربية التي بتنا نتلقفها تحت مسميات الحداثة الغربية والتطور ومن هذه المفاهيم الخطيرة هي مفهوم "رجال الدين" الغربي , ، الذي يحصر عمل "رجال الدين" بالجانب المعنوي فقط دون أن يكون له علاقة بالسياسة والاجتماع والاقتصاد، على قاعدة (ما لله لله، وما لقيصر لقيصر). وبالطبع هذه الثقافة تسربت لحوزاتنا العلمية فترة غير قصيرة من الزمن ونبه البعض من العلماء ومنهم الإمام الراحل قدس سره إلى خطورة تهميش العلماء وهذا واضح من كلماته السابقة, وأعتقد أن الغرب تنبه بشدة لأهمية هذا الدور وعمل بكل ما يملك من قوة في تسريب هذه المفاهيم المنحرفة التي لعبت دورا في تهميش دور العلماء, وقد وقع الكثير من الناس فريسة هذا المفهوم الغربي دون شعور منهم بذلك من خلال تهميش دور علماء الدين وحصر عملهم بالجانب المعنوي أو بالأمور العبادية والفردية كما يحصل في كثير من الأحيان.كما أن بعض العلماء أيضا حجموا دورهم في حدود معينة وانكمشوا في دورهم ووقعوا فريسة لهذا المفهوم الغربي لذلك يقول الإمام الخميني (قدس سره) مخاطباً مجموعة من العلماء:

"اقتحموا الأمور، تدخلوا في الشؤون، لا يصح أن يقول أحدكم: أنا فقيه ولا شأن لي بغير ذلك، فأنت فقيه، ولكن يجب أن تتدخل في الشؤون، يجب أن تتدخل بمقدرات الناس، فأنتم حراس الإسلام، ويجب أن تحرسوه".

فعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):
"العلماء ورثة الأنبياء، يحبهم أهل السماء، ويستغفر لهم الحيتان في البحر إذا ماتوا إلى يوم القيامة".ميزان الحكمة ,ج3 , ص2067

وفي رواية أخرى عنه (صلى الله عليه وآله وسلم):
"العلماء مصابيح الأرض، وخلفاء الأنبياء، وورثتي ورثة الأنبياء"المصدر السابق.

وهذا دليل واضح على دور العلماء المحوري والهام في حفظ مسيرة الأنبياء بل وإكمالها لأن الخليفة وظيفته إكمال ما بدأه المستخلف والسير على دربه.وكلمة مصابيح الأرض لها معاني سامية لأن المصباح دوره هو الإنارة لكي يستطيع الإنسان أن يرى كل ما حوله على حقيقته فيستطيع أن يسلك الطريق الأقصر والأسلم نحو غايته وهدفه وهذا هو دور العالم إنارة الطريق أمام الناس لكي يروا دربهم الصحيح والحقيقي نحو الهدف الذي وضعه الله لسعادة الإنسان.

وقد أشار رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى هذا الدور في عدة روايات ففي بعضها:

"إن مثل العلماء كمثل النجوم في السماء يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، فإذا انطمست النجوم أوشك أن تضل الهداة"ميزان الحكمة,ج 4 ,ص 2840.

إذا ماذا لو لم يكن العالم بهذا المستوى من المسئولية ولم يقم بدوره الموكل إليه على أكمل وجه فكيف ننظر إليه؟

إن الإمام الخميني (قدس سره) يعتبر أن العالم حتى لو لم يقم بأي عمل على المستوى الثقافي أو الاجتماعي أو غيره، فهو مفيد بنفس وجوده بين الناس، فوجوده بين الناس بحد ذاته موعظة تدعوهم إلى الله سبحانه وتعالى، يقول في بعض كلماته (قدس سره):
"إذا وجد عدة معممين متدينين جيدين في مجتمع ما أو مدينة ما، وعندما يوجد عدة معممين يهتمون بالدين، وكانوا عقلاء وعاملين بعلمهم، فلا داعي عندها للموعظة أساساً، فوجودهم بذاته يشكل موعظة، لقد رأينا أشخاصاً يترك وجودهم بذاته أثراً في الإنسان، كان في مدينة قم معمّمون يؤثرون بوجودهم وأساساً يكفي للإنسان موعظة أن ينظر إليهم".

فمجرد النظر إلى العلماء هو موعظة وعبادة، وقد ورد في الروايات عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "النظر إلى وجه العالم عبادة",ميزان الحكمة,ج,3 , ص 2070 . والنظر هنا ليس بمعنى النظر المادي فكلمة العبادة تدلل على أن النظر هو النظر المعنوي بمعنى الاستفادة من علمه ووجوده لتتحول هذه الاستفادة وتترجم إلى واقع عبادي في شتى شئون الحياة وهنا النظر غير مقتصر على الرجل فحتى المرأة مخاطبة بهذا الحديث إذ أن دور الانبياء كان للإنسانية كافة دون فرق بين رجل وإمرأة وكذلك دور العلماء للإنسانية كافة دون أن يفرقوا بذلك بين رجل وانثى,ولكي نستطيع أن نحدد صلاح العلماء ومدى تأثير علومهم علينا أن ننظر إلى واقع المجتمع ومدى قربه أو بعده من الله,علينا إن ننظر إلى ثقافة أفراده في كافة المجالات وأن نراقب مدى تقدم المجتمع من تخلفه ومدى فساده من عدمه لأن كل ذلك يؤشر على قيام العالم بدوره من عدمه.

وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم):
"من استقبل العلماء فقد استقبلني، ومن زار العلماء فقد زارني ومن جالس العلماء فقد جالسني ومن جالسني فكأنما جالس ربي" ميزان الحكمة جزء 3، صفحة 2085

والمجالسة هنا لكي تكون عبادة لا بد أن تكون مجالسة علمية يستفيد منها الجليس من علم من يجالسه ومن ثقافته ويترجم ذلك على واقعه الاجتماعي من خلال تفاعله مع محيطه.

إضافة لمحاولات الغرب في حرف وظيفة العالم ،فهناك أيضا محاولات من داخل الجسد الديني في رسم خريطة منحرفة للعالم تمثلت في التالي:

        ١.المدرسة الأصولية التي تعاملت مع ظواهر النصوص من جهة ،ومذهبتها من جهة أخرى دون أن يكون للعقل دورا بارزا قادرا على مواءمة النص مع الزمان والمكان.
        ٢.مدرسة تطرفت في عقلنة النصوص وترقيعها بنظريات غربية بحجة المواكبة والمواءمة.

ومن كلاهما ظهرت لنا إرهاصات انعكست على فهم هؤلاء للشريعة ومن ثم بناءهم على هذا الفهم منهجا عمليا انعكس في كثير من الأحيان على محيطهم الاجتماعي بل تسرب للمكونات الاجتماعية في دول أخرى نتيجة عملية التقليد في الأحكام من قبل المكلفين ،والتي تعدت للتقليد في المواقف والآراء العلمية دون إعمال العقل من قبل المكلف.

لذلك اكتسب العالم عبر التاريخ موقعية رمزية في أذهان الناس لها خلفياتها الدينية وارتكازاتها الشرعية، وهو ما ينقلنا لمقدمة مهمة حول الرمز كمفهوم وكمؤثر في السلوك الاجتماعي ،ومهيمن وفق الأعراف على العقول.

فمن هو الرمز ؟

*الرمز

يعرف قاموس اللغة عند العرب مفردة "الرمز" بأنها "الإشارة والإيماء سواء بالشفتين والحاجب". وهي بهذا المعنى اللغوي غير المعنى الدارج استخدامه بالإشارة إلى "المثل" أو القدوة أو النموذج، سواء كان مثلاً سياسياً أو دينياً أو ثقافياً أو مجتمعياً.ورغم أن الرمز كلمة صغيرة إلا أنها غرست في عمق الثقافة الإنسانية على مر التاريخ حيث تعبر كل ثقافة عن رمزها بطريقة تعكس هويتها الجمعية ومكونها الثقافي,والرمز كما يقول بعض المتخصصين:"  يتم صناعته وفق آلية غير محددة، فهو إما يرتبط بقوى خارقة أو بقيمة إنسانية أو بمقدار حاجة الناس لتمثل حضوره في لحظة ما ، وعلى هذا فإن أي رمز هو نتاج تطور تاريخي ووعي جمعي وصياغة مشتركة، قد تستغرق طويلاً، وتختلط فيه تقاليد الوعي والمصالح، فيثمر ذلك رموزاً مقدسة، أو محترمة، أو أنها من عناصر التميز في مختلف مجالاته. أو أن ثقافة الناس أحيانا ما تصنع من شخص ما رمزا دون أن يكون ذلك في الحسبان. وقد يتورط المرء في ذلك".

وبناءا على ما سبق قد يكون الرمز نتاج عدة أسباب منها:

1. تـأسيس نصي منطلقه القرآن الكريم وهو ما نطلق عليه الرمز المقدس نظرا لتقديس رمزيته من قبل الله تعالى لا لبعده البشري الإنساني بل لما يحمله من هدي إلهي قال تعالى:"أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قل لا أسألكم عليه أجرا إن هو ذكرى للعالمين "(الأنعام 90)، فالآية الكريمة تشير إلى ذلك حيث أمر الله تعالى رسوله بالاقتداء بالأنبياء السابقين لا بشخصهم بل بما يحملوه من هدى نسبه الله تعالى إلى نفسه حيث قال أولا ألئك الذين هدى ثم بعد أن قرن الهدى بذاته المقدسة أمر رسوله صلى الله عليه وآله بالاقتداء بهداهم المنسوب لذاته المقدسة لا بالاقتداء بشخصهم ,وأسبغ القداسة على شخوص الأنبياء عليهم وعلى نبينا وآله أفضل الصلاة والسلام والإقتداء بهم في هدى الله سبحانه لا فيما من عند أنفسهم وهذا يندرج على المعصومين عليهم السلام وهو ما نطلق عليه الرمز المقدس أي المعصوم .أي أن التعلق المطلوب هو تعلق بالرسالة الهادية وليس تعلقا بشخص النبي وهذا ما تشير له الآية الكريمة"وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين"آل عمران آية 144 وقوله تعالى"ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون" آل عمران آية 79 وقوله في سورة الإسراء آية 94 "وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا ابعث الله بشرا رسول" وقوله تعالى"قالت لهم رسلهم أن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون" إبراهيم آية 11 وقوله تعالى" قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي إنما إلهكم اله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه وويل للمشركين"فصلت آية 6 .ويروى عن الإمام الصادق عليه السلام"كان رسول الله يأكل أكل العبد ويجلس جلوس العبد ويعلم أنه عبد" وقد كان رسول الله تعالى مرارا يؤكد على ذلك حتى يعلق النفس البشرية بمركز التوحيد والهداية وهو الله تعالى ويبتعد بها عن الشخصنة وتقديس رموز لم تضف عليه صبغة القدسية إلا بهدى الله تعالى لهم واختيارهم على أسس إلهية.  
 
2. تأسيس ناتج عن الاقتداء والسير على سيرة الأنبياء والمعصومين عليهم السلام وهو ما يطلق عليهم القرآن الكريم اسم الأولياء أو عباد الله المخلصين ,والصادقين وغيرها من الصفات التي يتصف بها الإنسان لا بذاته وإنما بفعل قام به وربطه بنهج المعصوم عليه السلام المرتبط بهدى الله تعالى لذلك صبغ بصبغة القدسية ولكن ليس بإطلاقها بمعنى المعصومية, أي أن هذا الرمز عرضة للخطأ والصواب وعرضة للانحراف ومثال بلعم بن باعورة من أوضح الامثلة التي يشكلها هذا الرمز حيث حاز بلعم على حرف من أحرف اسم الله الأعظم إلا أنه أخلد إلى الأرض وانحرف, وتقييم انحراف الرمز من عدمه يعتمد على مدى الوعي الذي يحمله الناس في فكرهم وكينونتهم ومدى ثقافة المجتمع الذي يوجد به هذا الرمز.

3. تأسيس ناتج عن حاجة الناس , فهذا رمز فرضته حاجة الناس دون النظر إلى كينونته الثقافية والإنسانية ويجب أن نعرف أن دور الرمز كما يقول الدكتور علي شريعتي "يتضاءل كثيرا في المجتمعات المغلقة وهي المجتمعات الدينية القديمة التي تتصلب فيها التقاليد والأعراف الاجتماعية نظرا لامتزاجها وتشابكها مع الدين,ويصبح من الصعب جدا تغييرها والناس في هذا النوع من المجتمعات تابعون منقادون للأعراف والتقاليد الاجتماعية إلى درجة لا يستطيعون معها الحفاظ على استقلالية شخصيتهم أو لعب دور حيوي فاعل في التحولات الاجتماعية, وفي وضع كهذا ينقاد الرموز لتلك الأعراف والتقاليد ويصبح قصارى جهدهم افتعال الوقائع والأحداث.لكن كل جهودهم لا يمكن أن ترقى إلى مستوى التأثير على التقاليد الأعراف الاجتماعية والبنى التحتية للمجتمع ومكوناته الرئيسية, وبعبارة أدق,قد يكون بوسع هؤلاء تغيير الوحدات والمؤسسات وأما النظم والتركيب العام للمجتمع فيبقى بمأمن عن أن تطاله يد التغيير".

وهكذا نرى أن قضية الرمز مرتبطة في ذهنية الفكر الإنساني منذ القدم ,فجاء الإسلام ليعالجها بموضوعية ليبتعد بها عن الشخصنة والتقديس ,فجعل الرابطة بين الرمز والإنسان تشتد وتضعف بمدى قرب وبعد هذا الرمز عن الهدى الإلهي .فالأصالة في الإسلام للهدى الإلهي وليس لشخصانية الرمز ولكن هذا لا يعني عدم الاهتمام بالرمز كقابلية وقدرة على حمل الأمانة ولكن الكلام عن الوقوف علي شخص الرسول وعدم الوصول للمطلوب وهو الله تعالى. وكما قال أمير المؤمنين عليه السلام: "يعرف الرجال بالحق ولا يعرف الحق بالرجال" فالأصالة في معرفة الرجال تكون بمدى قربهم من الحق ولا أصالة لذات الرجل أو شخصه, كما قال عليه السلام"ما ترك لي الحق من صديق" مبينا أن الأصالة للحق وليس للصديق في فكره عليه السلام.

فلا هداية دون هدي الله ،واقتضى أمر الله ان تكون هدايته عبر أنبيائه المؤهلين لحمل أمانته ،وأهم وظيفة لديهم هي هداية الناس إلى الله لا إلى أنفسهم ،ولكن لا يمكن أن نصل إلى الله إلا عبرهم كونهم بواباته.

لذلك كان السير بالناس إلى الهدى وربطهم بالرسالة ورجالاتها يتطلب تأهيلا عاليا طرفانيا:
        ١.تأهيل من قبل العالم
        ٢.تأهيل من قبل المكلف


فالأول حامل الأمانة الإلهية ،ووسيلة ربط الناس بالمُرسِل والرسول والرسالة ،والثاني هو المتلقي لهذه الأمانة ويمتلك العقل كوسيلة للتلقي وهو ما يعني النهوض بمستواه العلمي إلى مستوى قادر على المراقبة والمحاسبة والغربلة لضبط إيقاع الأول.

إذا هذه الأهمية العميقة لموقع العالم في الأمة تعكس أيضا خطورة وظيفية تكليفية على جموع العلماء تتطلب منهم التركيز على عدة أمور أهمها:

١. الدعوة إلى الله بأدوات الله ووفق إرادته ،وهو ما يتطلب الحذر الشديد في التخلي عن الذاتية حتى لا يتحول العالم إلى داعية لذاته فيصبح له قداسة تمنع مناقشة أفكاره ونقدها وتقييمها من قبل المماثلين له أو حتى المطلعين.

٢. التركيز على كون ما يطرحه هو فهمه للشريعة وليس عين التشريع ،خاصة مع بعدنا عن عصر التشريع ، وضيق مساحة القطعيات الشرعية ليكون في طول الله لا في عرضه.ومقتضى هذا هو انفتاح باب العلم المبني على الدليل والبرهان وفتح آفاق العقل للابداع والتطوير وفق ضوابط البحث العلمي.

٣. عدم انسداد باب العلم والرأي من خلال قواعد المشهور والاجماع، كون سيرة المعصومين رغم معصوميتهم كانت منفتحة على كل الآراء بالحوار والمناظرات ومحاكاة العقل أمام كل الناس ،فهدفهم هو التبيان والهداية لكل الناس ، والنهوض بهم إلى مستوى المتعلم على سبيل النجاة ،وههنا لسنا بصدد نكران القاعدتين ( المشهور والاجماع) لكننا بصدد ترشيدهما ليكونا سببا للعلم لا سببا لمنعه.

٤. عدم ممارسة الإرهاب الديني المتمثل بسلاح الفتوى ضد الآراء التي تطرح في عرض الآراء المشهورة والمجمع عليها خاصة على مستوى الفكرة ، بل مواجهة المنحرف منها سواء انحراف فكري أو تشريعي بالبرهان والدليل العلمي ، دون الانتقال بعد إسقاطها كفكرة إلى إسقاط صاحبها إلا إذا تحول إلى مفسدا لا يمكن رده إلا بالتعذير الشرعي حفاظا على الأمن الاجتماعي وهو ما يحتاج دقة عالية في تشخيص الانحراف ومصاديقه وتشخيص الإفساد ومصاديقه ،مع الأخذ بالحسبان المواكبة العصرية للتشخيص في كافة الحالات.

فالعالم كونه وريث الأنبياء فوراثته تلزمه باتباع النهج العملي للمعصوم وليس فقط القولي ،بل تلزمه باعتبار مرجعية القرآن المعرفية في التشخيص والعرض.

ولكن هل وظيفة العالم ووجوده تلغي دور عقل المكلف ووظيفته في الرقابة والتقييم؟

إن عدم اتخاذ الأرباب في العلاقات الإنسانية هي قاعدة تشمل أهل الكتاب وغيرهم ،لأن الأصل في التوحيد هو نفي الشريك ،فالأنبياء وسائط فيض في طول الله واتباعهم  ـ طالما كانوا في طوله ـ هو عين التوحيد ،وما إن يصبح أي نبي في عرض الله فإن ذلك بات مصداقا للشرك واتباعه يعتبر شركا جلي وإن كان وجود النبي في عرض الله شركا خفيا قد لا يسع الكثيرين تشخيصه ،فكثيرا ما تحول النبي ص والمعصومين من خلال بعض الممارسات العلمية أو العقدية في عرض الله من قبل بعض العلماء والنخب وعامة الناس.

وكذلك العلماء وغيرهم ممن يتسنمون مواقعا متقدمة في قيادة الأمة فطالما دعوتهم لله تنتطلق في طوله ، فإن اتباع هؤلاء يكن عين التوحيد ،وهو ما يتطلب وعيا عاليا من الناس كي يملكوا أدوات المراقبة والتقييم.

وحيث أن العلم والعمل بهذا العلم هو معيارا أساسيا في تشخيص العالم ،فإن عملية التشخيص ذاتها تقع مسؤوليتها على المكلف وهو ما يلزم أيضا منه امتلاك  مفاتيح العلم وقدرة على التشخيص.

فكيف يمكن أن يتحول الوعي إلى قاعدة للتكامل الإنساني وإرساء أسس التوحيد ،ونفي القداسات المانعة للعلم ،وتمييز المقدسات الموهومة عن تلك الحقيقية كي نتخلص من كل أشكال الربوبية المغايرة والتي تقع في عرض ربوبية الله تعالى، حتى لا نقع في صناعة فراعنة بأشكال ظاهرها ديني ونمنع كل أنواع التسلط الخارج عن إرادة الله؟

*الشهادة والرقابة

عن أبي جعفر عليه السلام قال: لما خلق الله العقل استنطقه ثم قال له: أقبل فأقبل , ثم قال له أدبر فأدبر, ثم قال:وعزتي وجلالي , ما خلقت خلقا هو أحب إلي منك , ولا أكملتك إلا فيمن أحب, أما إني إياك آمر , وإياك أنهى وإياك أعاقب وإياك أثيب.
        الكافي ج1, كتب العقل والجهل الحديث رقم 1

وقال الحكيم رفيع الدين النائيني (قدس) معرفا العقل: يطلق على حالة في النفس داعية إلى اختيار الخير النافع بها يدرك الخير والشر ويميز بينهما . ويقابله الجهل , وقد يطلق ويراد به قوة إدراك الخير والشر والتمييز بينهما.

ومما سبق ندرك أن إنسانية الإنسان أحد واهم مصاديق تحققها هو العقل المدرك المميز بين الخير والشر والحق والباطل.

فالعقل يمثل مركز الوعي في ضمير الأمة وهذا المركز في وعي الإنسان يلعب دورا هاما في المسيرة البشرية على الأرض نحو الله.

فالإسلام هو باب متاح دخوله للجميع  بمجرد النطق اللساني بالشهادتين المتاح استخدامه لكل البشرية , ولكن الإيمان مرتبة أعلى من الإسلام ويحتاج إلى إعمال العقل والفكر من أجل الدخول في بابه وأيضا هذا متاح للجميع ولكن القليل من يستفيد من هذه الطاقة العقلية الفكرية. فلذلك ما أكثر المسلمين وأقل المؤمنين , وهذا المجهود العقلي يجب أن يوجه توجيها سليما ليحقق الهدف المطلوب منه.

ولقد بعث الله الأنبياء والأوصياء كشهداء على الأمة  ليكملوا مسيرة العقل نحو الله تعالى فخاطب الناس بعقولهم ليوجه وعي هذه الأمة بضميرها العقلي نحو الفطرة السليمة وهي فطرة التوحيد.

ولقد حدد الله تعالى مرتبة الشهادة على الأمة بثلاثة عناصر:
        1.النبوة
        2.الإمامة
        3. المرجعية

والشهيد هو المرجع الفكري والتشريعي من الناحية الإيديولوجية كما يقول الشهيد محمد باقر الصدر, وهو المشرف على سير الجماعة وانسجامها إيديولوجيا مع الرسالة الربانية و مسئول عن التدخل لتعديل المسيرة أو إعادتها إلى طريقها الصحيح إذا واجه انحرافا في مجال التطبيق.

ولكن تختلف النبوة والإمامة عن المرجعية بعدة نقاط أهمها:  

أن النبي والإمام معينان من الله تعالى تعيينا شخصيا وأما المرجع فهو معين تعيينا نوعيا فالإسلام حدد الشروط العامة للمرجع وترك أمر التعيين والتأكد من انطباق الشروط إلى الأمة نفسها. لذلك , المرجعية كخط قرارا إلهيا وكتجسيد في فرد معين قرارا من الأمة. فهي عهد من الله إلى الخط وليس إلى الشخص وأما تحديد الشخص عائدا للأمة. المرجعية تمارس دور الشهادة والأمة تمارس دور الرقابة , ولكي تمارس الأمة دور الرقابة يجب أن تصل إلى درجة من الوعي كي تمارس هذا الدور. والوعي يستمد إدراكه من العقل وهو من ثقافته الإسلامية عبر الوحي المتجسد في النبوة والإمامة والقرآن.

إن الأمة لا تمنح على الأغلب الزعامة المتمثلة بالمرجعية مجانا ولا يمتلك الفرد ( المرجع ) قيادتها ويحتل قلوبها بدون عطاء سخي منه تستشعره الأمة في مختلف مجالاتها وتستفيد منه في حل مشكلاتها والحفاظ على رسالتها.إذا فهناك علاقة متبادلة بين الأمة ومرجعيتها , وقس على هذا علاقة القاعدة بقيادتها , فكلما كانت القيادة متفاعلة مع القاعدة في كل المجالات المتاحة للتعامل كلما كانت القاعدة بوعيها متواصلة مع القيادة وكلما انفصلت واستقلت القيادة عن القاعدة وكبرت الهوة بينهما كلما قل ولاء القاعدة لقيادتها وانصياعها لها بل زاد تمردها وفقدت القيادة ولاء قاعدتها.وذلك لأنه ليس لفرد ولا لجموع في الإسلام أن يستأثر من دون الله بالحكم فإن كانت المرجعية كما ذكرنا آنفا عهدا ربانيا للخط وليس للشخص فكذلك القيادة هي تعيين للموقع وليس للشخص ولكنها كتجسيد في فرد معين قرارا للقاعدة وللأمة , فمنصب القيادة أو الإدارة يكون بانتخاب الأمة لشخص القائد,إذ أن تحرير الإسلام للإنسان في المجال السياسي إنما يقوم على أساس الإيمان بمساواة أفراد المجتمع في تحمل الأمانة الإلهية وتضامنهم في تطبيق أحكام الله تعالى (فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته) . والمساواة السياسية في الإسلام تعني المساواة في تحمل الأمانة ونتائجها تحرير الإنسان في الحقل السياسي من سيطرة الآخرين والقضاء على ألوان الاستغلال السياسي وأشكال الحكم الفردي والطبقي. ولذلك نجد أن خط الشهادة المتمثل بالمرجعية في فرد بقرار من الأمة والتي من المفترض أن تمارس دور الرقابة على هذا القائد إذا امتلكت الوعي المتمثل بإدراك العقل لتستطيع برقابتها أن تستشف مواقع ومواطن الخلل , ويقوم القائد الشهيد على المسيرة ليقوم الاعوجاج ويسدد المسيرة.

وبهذا التبادل الوظيفي الإلهي بين القيادة والقاعدة في ممارسة الدور الإلهي في الاستخلاف على الأرض تتحقق الأهداف الأصيلة من عملية الاستخلاف , وهذا كله يبتني تفاعله على الدور الريادي للعقل في هذه العملية , وهذه إحدى وظائف العقل وأهمها في المسيرة الإنسانية في تكاملها وهو سر التواصل بين القيادة والقاعدة , فإن عطل العقل أو أسيئ استخدامه أدى ذلك إلى استئثار فئة بمراكز القرار وإقصاء الفئات الأخرى الواعية واختيار الأقل وعيا والمسلمة تسليما مطلقا لتمارس  دور الانقياد والطاعة العمياء للفئة المستأثرة بمراكز القرار , وبما أن الاستئثار والمركزية جاءتا نتيجة استخدام العقل بشكل سيئ فبالتالي تكون القوة أحد أسباب استئثار هذه الفئة بمراكز القرار وتكون أغلبية الفئة المقصاة هي من الكفاءات التي تحمل مقدارا من الوعي والإدراك العقلي وهذا هو أحد أهم أسباب إقصائها.

والتسليم المطلق لا يكون إلا لمقام المعصوم المتمثل بالنبوة والإمامة , أما في مقامات الشهادة الأخرى لا يكون التسليم مطلقا لذلك قامت الأمة في مرتبة الشهادة المتمثلة بالمرجعية بوظيفة الرقيب , والتسليم المطلق لغير النبي والإمام لا يتناسب مع الإبداع والتقدم المجتمعي في جميع الأصعدة , ولمعالجة هذا الخلل إن وجد وجب على الفئات المثقفة الواعية , نشر ثقافة الإدراك العقلي ورفض سياسة التسليم المطلق المعطلة لاستخدام العقل في عملية الإبداع والتقدم , ورفض التقديس وسياسة التخدير العاطفي المتمثلة بدغدغة العواطف وتعطيل الفكر لكي يمارس العقل دوره في ريادة الأمة على ضوء المعرفة لتبدع وتمارس دورها الرقابي .

وعلى ضوء ذلك نستطيع أن نرتقي إلى مستوى كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ونمارس دور (( إني جاعل في الأرض خليفة )).لمزيد من الاستفادة والاستزادة يمكن مراجعة :الإسلام يقود الحياة والمدرسة الإسلامية للسيد الشهيد محمد باقر الصدر.

*النقد البناء ومسيرة التطور:

مما سبق نستطيع الخلوص إلى نتائج هامة على الصعيد العملي:

١. إمكانية إيجاد أرضية مشتركة على أساس التوحيد وعدم الربوبية التي تعني السلطة والتسلطة بكافة أشكالها والتي هي تقع في عرض ربوبية الله ،للتعاون في داخل الجسد الإسلامي وفي خارجه مع الديانات الأخرى.

٢. مركزية التوحيد في تحديد معالم القيادة الربانية ، وتحديد مراتبها الوجودية التي تكون في طول قيادة الله ،بحيث تختلف في قداستها من مرتبة لمرتبة ، فحينما تكون المعصومية والعلم المحيط للأنبياء والأوصياء ،فهي للمرجعيات الدينية والعلماء بمرتبة الشهادة الغير معصومة والمكلفة بالنهوض بالناس إلى مستوى المتعلم على سبيل النجاة كي يمارسوا دورهم الاستخلافي في الرقابة والنقد والتطوير .

٣. الانتخاب الإلهي هو للموقع والوظيفة وليس للأشخاص ،وهو ما يتطلب انفتاح أبواب العلم والسؤال والبحث بما يتناسب مع كل عصر بحيث يستطيع النص بمعاومنة العقل

12-01-2015 الساعة 15:53 عدد القرآت 4681    

مواضيع ذات صلة
قراءة في كتاب التغيير والإصلاح 2قراءة في كتاب التغيير والإصلاحالنموذج وأثره في صناعة الوعيالشيعة والدولة ( الجزء الأول )الإمام الخميني من الثورة إلى الدولة
الإسم
البريد
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جميع الحقوق محفوظة لدار الأمير © 2008