يقول الكندي ان الفلسفة الأولى هي أنبل أجزاء الفلسفة. ذلك أنها علم بالحق الأول، الذي هو علّة كل حق. ولهذا فإن الفيلسوف الكامل هو من يتعمق في هذا العلم النبيل الشريف. ذلك أن هذا العلم هو العلم بالعلة، والعلم بالعلة أشرف من العلم بالمعلول، لأننا لا نكتسب علماً كاملاً بالشيء إلا إذا عرفنا علته معرفة كاملة.
وعلم العلة الأولى يسمى عن حق: "الفلسفة الأولى" لأن باقي الفلسفة مندرج في هذا العلم، إذ هو العلم الأول سواء من حيث المرتبة، ومن حيث اليقين، ومن حيث الزمان. وإذا كان شرف العلم بشرف موضوعه كما يقول أرسطو، فإن علم العلة الأولى هو أشرف العلوم إذ موضوعه أشرف موضوع.
أـ موضوع الفلسفة الأولى ومنهجها
ولبيان موضوع الفلسفة الأولى يميز الكندي بين نوعين من الوجود: المحسوس، والمعقول. والأشياء اما كلية، واما جزئية. فالكلية هي الأجناس بالنسبة إلى الأنواع، وهي الأنواع بالنسبة إلى الأفراد. والأفراد تقع تحت الحواس، أما الأجناس والأنواع فلا تقع تحت الحسّ، وليس لها وجود محسوس، بل تقع تحت العقل.
ولما كانت الموجودات محسوسة ومعقولة، كان البحث عن الحق سهلاً من جهة، عسيراً من جهة أخرى. ومن يرد تصول المعقول على غرار المحسوس، لا يدركه، كما أن الخفافيش لا تدرك الموضوعات الواضحة في ضوء الشمس.
ونتيجة هذا أن نقرر أن للموجودات المحسوسة علماً يخصها هو العلم الطبيعي، وللموجودات المعقولة علماً يخصها هو الفلسفة الأولى.
أما المنهج الواجب اتباعه في البحث في الفلسفة الأولى فهو البرهان بالمعنى الدقيق، إذ لا يصلح لها المنهج المستخدم في العلم الطبيعي لأنه غير يقيني.
ب ـ اللامتناهي
ثم يتناول الكندي بعض الموضوعات الأساسية في علم ما بعد الطبيعة. ومنها: اللامتناهي.
ويمهد لبحثه فيه بعرض موجز عن طبيعة الأزلي. يقول ان "الأزلي (هو) الذي لم يكن ليس، وليس يحتاج في قوامه إلى غيره. والذي لا يحتاج في قوامه إلى غيره فلا علّة له. ومالا علة له فدائم أبداً" والأزلي لا جنس له وهو لا يفسد، ولا يستحيل، ولا ينتقل إلى التمام لأنه "تام أبداً اضطراراً".
والجسم له جنس وأنواع. لكن الأزلي لا جنس له. إذن الأزلي ليس جسما. وبعبارة أخرى: الجسم لا يمكن أن يكون أزلياً.
وبعد أن أكد الكندي هذه المعاني، ساق برهانه على نحو منطقي منظم، لبيان أن الجسم لا يمكن أن يكون لا متناهياً بالفعل، وإن كان كذلك بالقوة أي بالإمكان.
فإن كان ها هنا جسم لا متناه، فإنه لو فصل عنه جسم متناه في المقدار، فإن الباقي اما أن يكون متناهياً في المقدار، أو غير متناهٍ في المقدار. فإن كان متناهياً، فإنه إذا أضيف إليه ما فصل منه (وهو متناه في المقدار)، فإن الجسم المؤلف من كليهما سيكون متناهياً. لكنه كان قبل هذا الفصل لا متناهياً. إذن سيكون متناهياً ولا متناهياً في وقت واحد، وهذا متناقض ومحال. _أما إن كان الباقي لا متناهياً، فإنه إذا أضيف إليه ما انتزع منه، فإنه اما أن يصير أكبر مما كان قبل هذه الاضافة، أو مساوياً. فإن كان أكبر مما كان، فإن اللامتناهي سيكون أكبر من اللامتناهي. وهذا محال.
وبهذا يثبت أنه لا يوجد جسم لا متناه، وبالتالي لا يوجد مقدار لا متناه بالفعل.
ثم ان الزمان كمية. إذن لا يمكن أن يوجد زمان لا متناه بالفعل. إذن للرمان بداية وسيكون له نهاية.
ومن ناحية أخرى فإن ما يوجد في متناه يجب أن يكون متناهيا أيضاً. مثال ذلك: الحركة، والكمية، والزمان، والمكان، توجد في جسم، فهي متناهية إذن، لأن الجسم متناه.
وإذن فجرم الكل (أي جسم العالم) متناه هو وكل ما يوجد فيه.
إن الكندي _على العكس من أرسطو وبرقلس _ استخدم برهانه لإبطال اللامتناهي في إبطال الزمان اللامتناهي، والحركة الأزلية الأبدية.
وهاك برهانه: إذا كان قبل كل فترة من الزمان فترة سابقة، وهكذا إلى غير نهاية، فسيكون هناك زمان لا متناه بين الأزلية واليوم الذي نحن فيه. لكن من المستحيل قطع اللامتناهي. إذن لا يمكن أن يوجد بين الأزلية ويومنا الحاضر لا نهاية. فسيكون ثم زمان لا متناه ومتناه معاً، وهذا خلف وإحالة.
كذلك إذا نظرنا إلى المستقبل فإنه سيكون بين يومنا الحاضر وبين الأبدية ما لا نهاية، وإذن سيكون هناك لا متناه ومتناه، وهذا خلف وتناقض وإذن الزمان ليس لا متناهياً. ومدة العالم إذن ليست لا متناهية.
والزمان "كمية متصلة" وذلك لأن الآن يشمل الماضي والمستقبل، وما بينهما من آن لا يبقى، إذ انه لا يبقى أمام تفكيرنا فيه.
والزمان عنده واحد، لا يختلف باختلاف الأشياء. والزمان ليس الحركة، بل هو عدد يعّد بالحركة، وهذا هو نص تعريف أرسطو للزمان، إذ قال: "الزمان هو عدد الحركة بحسب التقدم والتأخر".
ج ـ الواحد
الله واحد. لكن ينبغي أن نحدد بأي معنى نصفه بهذه الصفة.
فيقرر أولاً أن "الواحد" يقال: إما بالعرض، وإما بالجوهر. أو الماهية.
فهو يقال بالعرض في الألفاظ المشتركة والمترادفة، مثل المدية والشفرة والسكين فهما واحد من حيث الموضوع الذي يدلان عليه وهو القطعة الحادة من الحديد التي تستعمل للقطع، وكذلك الألفاظ المشتركة: مثل "العين" بالنسبة إلى كون اللفظ واحداً والمدلولات مختلفة.
ويقال الواحد بالجوهر أو الماهية عن الأشياء ذات الماهية الواحدة، وحينئذ يقال بحسب أربع أحوال:
أ _ بحسب الاتصال، وهذا يدخل في باب العنصر،
ب_ أو بحسب الصورة، وهذا من باب النوع،
ج _ أو بحسب الاسم، وهذا من باب العنصر والصورة معاً،
د_ أو بحسب الجنس، وهذا من باب العنصر.
ولما كان "الكثير" يقال في مقابل "الواحد" انقسم "الكثير" وفقاً لنفس الأحوال التي انقسم بحسبها "الواحدة"، ولكن على نحو عكسي: فهناك كثرة بحسب الانفصال، أو الصورة، أو الجنس، أو النظير.
وهذه التقسيمات هي بعينها التي ذكرها أرسطو في كتاب "ما بعد الطبيعة".
وبعد أن ساق هذه الأقسام، ناقش كل قسم منها بحثاً عما هو "الواحد" بحق:
أـ الواحد بحق ليس ذلك الذي يطلق على الألفاظ المشتركة أو المترادفة، لأنه في هاتين الحالتين يدل على أشياء كثيرة.
ب_ وليس هو المقول بحسب العنصر (الأسطقس)، لأنه يدل أيضاً على عدة أشياء مثل: الباب والسرير من حيث العنصر الذي هو الخشب،
ج _ وليس هو غيره القابل للقسمة، لأن ما لا ينقسم يقال على مالا ينقسم بالفعل، وما لا ينقسم بالقوة: فالأول هو الذي يصعب جداً تقسيمه، مثل الماس، لكن الماس أجزاء، فهو كثير وليس واحداً.
وبعد إسقاط هذه الأحوال قرر أن الواحد بحق ليس عنصراً، ولا جنساً، ولا نوعاً، ولا فرداً، ولا فصلاً نوعياً، ولا خاصة، ولا عرضاً عاماً، ولا حركة، ولا نفساً، ولا عقلاً، ولا كلا، ولا جزءاً، بل هو الواحد على الإطلاق، وهذا لا يسمح بأية كثرة، ولا تركيب.
وهو لا يستمد وحدته من غيره، بل هو الذي يهب الوحدة لكل ما هو واحد. ولا يمكن أن تمتد سلسلة واهبي الوحدة إلى غير نهاية، بل لا بد من التوقف عند واهب أعلى، هو الواحد الحق، الواحد الأول. وكل ما يقبل الوحدة فإنما يستمدها منه. وعن الواحد تصدر كل وحدة، وكل ماهية. إنه الخالق، والمبدأ لكل حركة.
وإذن فالواحد الحق هو الأول، والخالق، والحافظ لكل ما خلق. وهو وحده الجدير بوصف الواحد، وما عداه فلا يقال عليه "الواحد" إلا مجازاً.
د ـ الله هو العلة الفاعلة للخلق
والكندي مسلم، فكان طبيعياً أن يصف الله بأنه خالق الكون، والعلة الفاعلية لإيجاد العالم. ولبيان ذلك يميّز بين عدة معان للفعل، ويبرز منها معنيين:
أـ الأول هو أن الفعل الحق والأول هو فعل الخلق من العدم. ومن الواضح أن هذا النوع من الفعل يختص به الله وحده، الذي هو العلة العليا. وفعله هذا يسمى: الخلق.
ب_ والثاني هو أثر الفاعل فيما انفعل.
والفاعل بالمعنى الأول يفعل دون أن ينفعل. ولهذا فإن الفاعل الحق هو الذي يحدث محدثاته دون أن ينفعل. ومن هنا كان الفاعل المحق هو الله، علة الكل. أما وصف سائر الموجودات بالفاعلية فعلى سبيل المجاز فقط، لأنهم ينفعلون بما يفعلون: فأولهم ينفعل بالخالق، وما بعده ينفعل بعضهم عن بعض على التوالي: الثاني بالأول والثالث بالثاني، والرابع بالثالث، الخ.
فالله هو إذن العلة الأولى لكل المعلولات. وهو فعّال دائماً، ولا ينفعل أبداً.
وهذا الخلق بالعلة الأولى يتم وفقاً لسلسلة تنازلية تبدأ من الله وتنزل حتى العالم الذي تحت فلك القمر.
ولسنا ندري كيف استطاع الكندي أن يوفق بين فكرة الابداع أو الخلق من العدم هذه، وبين قوله بصدور الأشياء بعضها عن بعض في تسلسل تنازلي!
أما صفات الله فيؤكد الكندي منها: الوحدة، وعدم الاضمحلال، وعدم قابلية النقص بجهة من الجهات وأنه "مبدع الكل، وممسك الكل، ومحكم الكل".
ولا يقدم الكندي برهاناً عقلياً منظماً لإثبات وجود الله، بل يقتصر على عبارات خطابية عن تدبير العالم كما يظهر من رسالة في "الإبانة عن العلة الفاعلة القريبة للكون والفساد".
** المصدر : موسوعة الحضارة العربية /ج1/ الفلسفة والفلاسفة عند العرب
د. عبد الرحمن بدوي (4 فبراير 1917 - 25 يوليو 2002 القاهرة) أحد أبرز أساتذة الفلسفة العرب في القرن العشرين و أغزرهم إنتاجا،إذ شملت أعماله أكثر من 150 كتابا تتوزع ما بين تحقيق و ترجمة و تأليف، ويعتبره بعض المهتمين بالفلسفة من العرب أول فيلسوف وجودي مصري، و ذلك لشده تأثره ببعض الوجوديين الأوروبيين و على رأسهم الفيلسوف الألماني مارتن هايدجر.
الآراء الواردة في هذه الصفحة تعبر عن آراء أصحابها فقط؛ ولا تعبر بالضرورة عن رأي دار الأمير للثقافة والعلوم. |