يصدر قريباً عن دار_الأمير في بيروت كتاب نحن وإقبال
إذا عبرتَ هذي السمومَ على أطرافِ الحديقة
يا لسحرِ الوردِ لونًا، يا لعطرِ الجوري هناك!
في فصلٍ كهذا ومن هذا الحقل الجاف والتالف، ارتفعت فجأةً قامةُ سَروِ الحرية؛ وسحرت عيونَ الصديق والعدوّ، وخرج منها نداءُ دعوةٍ للشجيرات الضعيفة، للصفصاف الشاحب الراجف، للشتلاتِ اليافعة المزهرة ولآلاف البذور العامرة شوقًا وتوقًا للتفتّح والأزهار، والخروج من التراب والارتفاع في السماء، بعدما كانت مدفونةً تحت أقدام العدوّ، ميتةً ومتعفنةً في خفاءٍ وصمتٍ من هول هذا الفصل السيء وسيلِ البلاء، خرج النداء: في أعماق هذه المزرعة المحروقةِ التالفة، لا یزالُ يَموجُ بحرُ روحِ الإسلام اللامتناهي، ولا يزالُ صدرُ هذه التربة عامرًا بمنابع الثقافة الغنية بنُسغِ الحياة ومادةِ النموّ والحركة والأثمار. وإذا زرعتُم جذورها اليابسة القصيرة، التي بقيت هكذا خارج التراب في معرض الهواء السام والرياح الخبيثة الآتية من الغرب، في أعماق تربةِ ثقافتكم الخصبة، واكتسبتُم الروحَ والقدرة من بحرِ الإيمان وحياة الإسلام الأوّل، فإنّكم ستتمكنونَ من النموّ مثلَ الاشجار الصبورة الشجاعة التي تنمو في الصحراء وتواجه النارَ بقوةٍ وصلابة، رغم هذه السموم التي تهبُّ على أرضِ الإسلام الخريفية من الغرب المتوحش قاتل الثقافات، وستقفون على أقدامكم وتزهرونَ وتثمرونَ تحت أشعة الشمس وأمطار سمائكم، ومرةً أخرى ستبدّلونَ هذه الصحراء التالفة المكروبة والمحروقةَ إلى جنّةٍ من الحياة والسعادة والازدهار.
أجل، ألم تكن هذه الروح العجيبة هي التي هبّت على المركب المحترق لشبه جزيرةٍ، وفي تلك الصحراء المظلمة حيث النباتُ يخشى النموّ، خلقت من الأجساد الخالية للعبيد والبدو والمتوحشين، رجالًا خلال عشر سنواتٍ، نفخوا في تاريخ الحضارة البشرية روحًا جديدةً وخلقوا على الأرض عِرقًا جديدًا من الإنسان؟ أمّا كانت هذه الروح هي التي حررت عدةَ قبائل عاجزةٍ فقيرة، بين قاعدتين عظميَينِ لإمبراطوريات العالم العسكرية والسياسية والمدنية، ليس فقط خلال أقلّ من ربع قرنٍ من قيد استعمار الروم وإيران، حيث صنعت منهم مجاهدينَ أنقذوا جماهيرَ الشرق والغرب الهائلة من سلطة القوى الجبارة للملوك والقياصرة والكهنة والزرادشتيين والعشائر والأسياد. لقد علّمَ إقبال مسلمي الاستعمار في العالم اليوم هذا الدرسَ ليس فقط بخطابه، وإنّما بوجوده كذلك.
لقد أثبتَ ( محمد إقبال ) بأنّ الإسلام ما زال قادرًا، رغم الجهل والركود الداخلي والأسر تحت قيد السلطات العسكرية الخارجية الظالمة، على أن يخلقَ عباقرةً عظماء، وأن ينشئَ أرواحًا جميلةً وعميقةً ومقتدرة. ولا تزال ثقافته قادرةً على أن تحرّرَ أبناءَه من نير الثقافة الغربية وهيمنتها، وأن تحتضنَهم، وأن تصنعَ من شابٍّ هنديٍّ سافرَ من دولةٍ مستعمَرةٍ ضعيفة إلى أوروبا الاستعمارية القوية والمتحضّرة، أن تصنعَ منه "إقبالًا". إقبال رجلٌ بروحٍ واحدة ذاتِ أبعادٍ متعدّدة. وهذه ليست صدفة. الروحُ الإسلامية هكذا.
ربُّ الإسلام، كتابُ الإسلام، نبيُّ الإسلام، أولياءُ الإسلام الصالحون، مدينةُ الإسلام وحتى مسجدُ الإسلام هكذا. الله، لديه جبروتُ "يهوه" إله اليهود، ورحمةُ إلهِ المسيح. والقرآن هو اشتراكية التوراة وروحانية الإنجيل، ومحمد (ص) هو في الوقت نفسه، موسى المجاهد الحرّ وعيسى الروح والعشق، والمدينة هي رومُ السلاح والقوة، وأثينا الحكمة والفكر، والمسجد هو كنيسةُ العبادة ومجلس الشيوخ ومدرسةُ العلم. وعليٌّ (ع) هو معًا العاملُ والقائد السياسي والبطل المحارب، والعارفُ الحكيم وفي النهاية بليغٌ حلوُ البيان، مفكّرٌ رشيدٌ ورجل الصعابِ والصبرِ والصمتِ والحبّ!
إقبال كان إبنَ هذه الاسرة، المترعرع في كنف هذه المدرسة، الفيلسوف، السياسي، المجاهد، الباحث، العارف، الباحث الإسلامي، الشاعر وصاحبُ الثقافتين الغربية والشرقية.
في نظر الفلاسفة الأوروبيين، هو رمزٌ في مضاهاة هنري برغسون . إلّا أنّ الفلسفة لم تجعله يغفل أبدًا عن معاناة الناس ومصير الشعب الجائع والأسير. خرجَ من عزلة التأملات الفلسفية العميقة والزوايا الآمنة المطمئنة والنقاشات الفكرية والعلمية والنظرية وواجهَ الاستعمار الإنكليزي متقدّمًا مجاهدي الحرية. لم یجعل منه الغرق في التاريخ والمعارف الإسلامية غريبًا عن عالم اليوم وثقافة العالم وحضارته وعلومه، ولم يبقَ أسيرَ القوالب القديمة والقرون الغابرة، بل أنّه عرفَ الحضارة والعلم والفكرَ الجديد بشكلٍ مباشر وعميق وًاصبحَ رجلَ هذا القرن. أمّا الدراسة والبحث في أوروبا والثقافة الأوروبية وروحها لم تُبعِدهُ عن نفسِه، عن تاريخه وثقافته وإيمانِه، أي الإسلام، ولم يجعله علمه الأوروبي يعود إلى الشرق جاهلًا بشعبِه وحياةِ شعبه وروحه وعذاباته وخُلقه ومزاجه، أو مفاخِرًا بهذه الترّهات، ولم يجلب لشعبه من الثقافةِ هدايا وضعوها في يدِه جاعلينَ منه تاجرًا لنَيرِ استعمارهم. لم تحرمهُ صلادةُ الفلسفة العقليّة من جمال الشعرِ وسحره ولم تغيِّب رقّةُ الشعر عمقَ الفكر الفلسفي لديه. لم يجرَّهُ الإيمان الديني إلى التعصّب ولم يقضِ انفتاحُه على العالم، على يقينِ قلبِه. لم تأسرهُ السیاسةُ في روتينِها، ولم يُسقِطِ العرفان في سماوات الروح والإحساس العالية، حقائقَ مجتمعه القاسية وقدرَه المتأزّم وسياستَه من عينه. وأخيرًا، كان يفكّرُ كما برغسون ويعشقُ كما مولانا وينشدُ لإيمانه كما ناصر خسرو ويقاتلُ الاستعمار لتحرير الشعوب المسلِمة كما سيّد جمال ويسعى كما طاغور من أجلِ تحرير الحضارة من فاجعة العقل الرياضي وآفة حبّ السلطة، وكما كارل ، يتمنى أن تُنفَخَ الروح والحبّ في الجسد اليابس لحياة إنسان اليوم، وكما لوثر كالفن كان هدفُه تجديد الفكر الديني في ديانته والنهضة الإسلامية في هذا العصر.
كان محمد إقبال، رجلَ دينٍ ودنيا، إيمانٍ ومعرفة، عقلٍ وإحساس، فلسفةٍ وأدب، عرفانٍ وسياسة، الله والناس، عبادةٍ وجهاد، عقيدةٍ وثقافة، رجلَ الأمسِ واليوم، زاهدَ الليلِ وأسدَ النهار، كان مسلمًا.
من الجليّ كم أنّ معرفتَه ضروریةٌ وحيويةٌ بالنسبة إلى المثقف الحيران الضائع، إلى عوامِنا الغارقين في الغيبوبة، وإلى علمائنا الجُدد والقدامى. هؤلاء الذين يتغذّونَ على جهلِ الناس ويخافونَ المعرفة ويحرسونَ ليلَ المجتمعات المسلمة ونومَها وغفلتَها، الذينَ يتحملون مسؤولية إبقاء الجماهير عوامًا كالأنعام، ليس من الصدفةِ أن يستوحشَ هؤلاء من اسمه وأن يشعروا بالخطر، من أنّ مسلمينا يعرفونَ وجهًا مسلمًا مثلَ إقبال!
* من كتاب " نحن و إقبال " للدكتور علي شريعتي - ترجمة مريم ميرزاده - تحقيق محمد حسين بزي . وهو الجزء الـ 32 من الآثار الكاملة للدكتور شريعتي والتي تصدر تباعاً عن دار الأمير في بيروت منذ العام 1992.

|