الصفحة الرئيسة البريد الإلكتروني البحث
الشيعة والدولة ( الجزء الثاني )الشيعة والدولة ( الجزء الأول )الإمام الخميني من الثورة إلى الدولةالعمل الرسالي وتحديات الراهندار الأمير في معرض الكويتمشاكل الأسرة بين الشرع والعرفالماضي والحاضرالفلسفة الاجتماعية وأصل السّياسةتاريخ ومعرفة الأديان الجزء الثانيالشاعرة جميلة حمود تصدر دمع الزنابقبيان صادر حول تزوير كتب شريعتي" بين الشاه والفقيه "محمد حسين بزي أصدر روايته " شمس "باسلة زعيتر وقعت " أحلام موجوعة "صدر حديثاً / قراءة نفسية في واقعة الطفصدر حديثاً / ديوان جبر مانولياصدر حديثاً / فأشارت إليهصدر حديثاً / رقص على مقامات المطرتكريم وحفل توقيع حاشد للسفير علي عجميحفل توقيع أحلام موجوعةتوقيع ديوان حقول الجسدباسلة زعيتر تُصدر باكورة أعمالهاالسفير علي عجمي يُصدر حقول الجسدصدر حديثاً عن دار الأمير كتاب عين الانتصارجديد دار الأمير : مختصر كتاب الحج للدكتور علي شريعتيصدر حديثاً كتاب دم ابيضاصدارات مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي
الصفحة الرئيسة اّخر الإصدارات أكثر الكتب قراءة أخبار ومعارض تواصل معنا أرسل لصديق

جديد الموقع

الشيعة والدولة ( الجزء الثاني )الشيعة والدولة ( الجزء الأول )الإمام الخميني من الثورة إلى الدولةالعمل الرسالي وتحديات الراهندار الأمير في معرض الكويتمشاكل الأسرة بين الشرع والعرفالماضي والحاضرالفلسفة الاجتماعية وأصل السّياسةتاريخ ومعرفة الأديان الجزء الثانيالشاعرة جميلة حمود تصدر دمع الزنابقبيان صادر حول تزوير كتب شريعتي" بين الشاه والفقيه "محمد حسين بزي أصدر روايته " شمس "باسلة زعيتر وقعت " أحلام موجوعة "صدر حديثاً / قراءة نفسية في واقعة الطفصدر حديثاً / ديوان جبر مانولياصدر حديثاً / فأشارت إليهصدر حديثاً / رقص على مقامات المطرتكريم وحفل توقيع حاشد للسفير علي عجميحفل توقيع أحلام موجوعةتوقيع ديوان حقول الجسدباسلة زعيتر تُصدر باكورة أعمالهاالسفير علي عجمي يُصدر حقول الجسدصدر حديثاً عن دار الأمير كتاب عين الانتصارجديد دار الأمير : مختصر كتاب الحج للدكتور علي شريعتيصدر حديثاً كتاب دم ابيضاصدارات مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي

أقسام الكتب

مصاحف شريفة
سلسلة آثار علي شريعتي
فكر معاصر
فلسفة وتصوف وعرفان
تاريخ
سياسة
أديان وعقائد
أدب وشعر
ثقافة المقاومة
ثقافة عامة
كتب توزعها الدار

الصفحات المستقلة

نبذة عن الدار
عنوان الدار
دار الأمير وحرب تموز 2006
About Dar Al Amir
Contact Us
شهادات تقدير
مجلة شريعتي
مواقع صديقة
هيئة بنت جبيل
اصدارات مركز الحضارة

تصنيفات المقالات

عملاء حرب تموز
ريشة روح
قضايا الشعر والأدب
شعراء وقصائد
أقلام مُقَاوِمَة
التنوير وأعلامه
قضايا معرفية
قضايا فلسفية
قضايا معاصرة
الحكمة العملية
في فكر علي شريعتي
في فكر عبد الوهاب المسيري
حرب تموز 2006
حرب تموز بأقلام اسرائيلية
English articles

الزوار

7163260

الكتب

278

القائمة البريدية

 

كي لا يغار الأنبياء ... سيرة ومسار

((قضايا الشعر والأدب))

تصغير الخط تكبير الخط

كي لا يغار الأنبياء
سيرة ومسار

بقلم: باسل بديع الزّين

dewannew1_400أن تكون في حضرة شاعر شابّ كمهدي منصور ، طارت شهرته في الأوساط اللبنانيّة والعربيّة ، فهذا يعني أنّ المسؤوليّة تقع عليك ، مضاعفة ، في قراءة نتاجه بعامّة ، وديوانه الأخير بخاصّة. على اعتبار أنّ الأمر لا يتعلّق برؤية نقديّة ، أو مقاربة أدبيّة ، لنصّ شعريّ خرج لتوّه من يد مؤلفه وأمسى في قبضة القارئ ، بل يتعلّق بالدرجة الأولى ، بوجهة سير حداثيّة ، من شأنها أن تحدّد مسار المرحلة الشعريّة الآتية ، بخاصّة ، إذا عرفنا ، بأنّ الطّريق نحو المستقبل الشعريّ لن تمرّ بعد الآن بشعراء قالوا كلمتهم الفصل في معركة التّجديد والحداثة ، ودفعوا إمكاناتهم إلى أقصى تجليّاتها. فالشعر هو أشبه شيء بنهر الحياة ، لا يتوقّف ليستريح ، بل يتطلّب ، على الدّوام ، منعطفات جديدة ، ومعوقات مستحدثة ، تُعيد تشكيل أزماتها على نحو منتج وفعاّل ، وهذا ما لن يتحقق إلاّ بالرّهان على الشّعراء الشباب القادرين وحدهم على رسم وجهة المستقبل الشّعريّ ، أقلّه إلى حين. وذلكم بالتّحديد ما ينبغي أن نتوقّف عنده أثناء قراءتنا لـديوانه الأخير ، كي لا يغار الأنبياء ، الصادر حديثًا عن دار بيسان ، وهو يأتي في سياق تدرّج طويل من الكتابة الشعريّة ، امتهنها الشاعر منذ نعومة أظافره ، فكان هذا الديوان هو رابع أعماله ، في سنّ إبداعيّة مبكرة لا مجال للشكّ في تاريخيّتها على الإطلاق.
وفي سياق العرض والتقويم ، وجب تقسيم هذه الدراسة إلى مبحثين اثنين ، نتناول في المبحث الأوّل منها ، طبيعة التجربة الشعريّة لفظًا ومعنى ، على أن نعرض في المبحث الثاني ، إلى آفاق المرحلة الشعريّة القادمة ، انطلاقًا من وجهة السّير الشعريّة التي يتبناها الشاعر ، والّتي من شأنها أن تعطي صورة تقريبيّة عن الشكل الانبنائيّ الشّعريّ الّذي ستقوم عليه نتاجاته ، بخاصّة ، ومن سيحذو حذوه من الشّعراء الشباب ، بعامّة.

المبحث الأوّل . ـ طبيعة التجربة الشعريّة في نصّ مهدي منصور
وسنتناول ، تباعًا ، في هذا المبحث ، طبيعة الصورة الشّعريّة ، ومسألة الموسيقى والوزن ، وأخيرًا ، مسألة طرافة المعنى.

الفقرة الأولى . ـ طبيعة الصّورة الشّعريّة
ينطوي نصّ مهدي منصور على مفارقة واضحة ، تبتعد ، على الدّوام ، عن الوسطيّة ، وتنحاز إلى أحد طرفي الأحجيّة الشعريّة.
وبعد ، لا يحتاج المتمعّن في هذا الديوان ، إلى كثير عناء ، ليصنّف الصور المهدويّة بين صور متألّقة وأخرى عابرة. وببعد النّظر ، عن كون التجربة الشعريّة هي التي تحكم طبيعة الصّورة إليه ، إلاّ أنّ المفارقة تكمن في ارتضائه في أن ينطوي النّص عينه على صور آية في المجال ، وأخرى ممعنة في النثريّة.
وفي السياق عينه ، يُمكن أن تعثر في نصّ الشاعر نفسه ، على مقاطع صافية ، تروم أبعادًا نائيات ،  فتتميّز بفرادة تركيب وجماليّة ابتداع لعلاقات إسناديّة جديدة لم يعثر عليه شاعر من قبل ، تقابلها زلاّت واضحة ، تحكم مقاطع شعريّة بأكملها ، حتّى لتكاد تنسيك روعة المقاطع المقروءة ، وتضعك على ضّفة تساؤل مميت من جدوى هذه القصائد نفسها ، لولا جودة ما تقدّم منها ، أو ما تأخّر.
فعلى حـين تطالعك صور خلبيّة في قصيدته "بين دجلة والفراق" ، تعود وتصعق بمقاطع أخرى ، لا يربطها أيّ خيط صوريّ بجودة المقاطع السّابقة في القصيدة نفسها ، أو في قصائد أخرى.

يستهلّ الشاعر قصيدته "بين دجلة والفراق" بالقول :

"غريبان كالأمطار كالكلمات
نفتّش فينا عن ملامح آت
... عدوتُ ولكنّ الدّروب تمدّدت
لأبعد مهما أسرعت خطواتي
أرود مقاهي الصّمت لا خلّ لي سوى
شجاي وصوت التيه في طرقاتي"

لكنّه سرعان ما يُنهي هذه الفلذة الوجدانيّة المتألقة بالقول :

"أنا قيد شوق من يديك ، تقدّمي
لأختصر الدّنيا بقبضة ذاتي"

فأيّن المقطع الأوّل ، بجماليّة صوره ، وانسيابيّة نسجه ، وتكامل انبنائه الدّاخلي ، من البيت الأخير ، حيث تتقهقر الصور لصالح ما تمليه القافية ، من افتعال بادٍ وتكلّف جليّ.
وفي قصيدة " السيرانا" ، تفاوت مذهل في طبيعة تركيب الصورة الشعريّة ، والانتقال من أقصى إمكانات التفتّح الشعريّ في قوله : " تفرغ ذاكرتي من حطب الأيّام " ، إلى أقصى درجة الافتعال والتكلّف الذهنيّ البارد في قوله :" تصعد في جسدي للأسفل".
بيد أنّ الصورة الانفعاليّة الصّادقة ، لا تني عن الظّهور في مقاطع صافية ، لا تشوبها شائبة ، ولا يحطّ من قيمتها افتعال. وهذا ما تجلّى على نحو جليّ في قصيدته "رجل بلا عبث الرجولة". فقد تنامت هذه القصيدة في سياق اطراديّ صوريّ عنيف ، يصعق المخيلة ، ويأسر الحواس ، ويمنح قارءها قدرة على الإيغال إلى أبعاد قصيّة وانفعاليّة في آن معًا :

"لم كلما صادفتُ أنثى همتُ فيها...
أبصرتني ناضِجًا..
فرمَت أنوثَتَها على عبثِ الرجولةِ وانثنتْ:
إما فتاةً هيّأتْ سنواتها العشرينَ
طازجةً كنهدٍ يشتهي حضناً ليهدأ
وليوحد ما يبعثره المثنّى في خرف الذكريات بطرحة بيضاء يحضنها الهوى...
إما فتاةً زانيةْ...
كوني التي لم ألقَها من قبل كوني فتنتي الأولى وأمي...
حِبذا لو كنتِ أمّي حبذا
يحتاجُ قلبِ المرءِ أحيانًا لأمٍ ثانيةْ...."

لعمري ، كيف تستقيم هذه الرّوعة في التّصوير ، والجماليّة في التّعبير ، والانسيابية في إيصال المعنى شفّافًا وعميقًا ، مع قوله :

"لأنّي أحبّك كلّ الكلام مباح
وكلّ الجنون صواب
... أعيدي لقهوتك الآن شيئًا من الكوفيميت...".

والديوان مليء بمثل تلك الازدواجيّة المعياريّة في انتقاء الصّور ، وتجسيد الحالة الانفعاليّة.
لكن ما يجدر التوقّف عنده ، وبحقّ ، قدرة الشاعر الكبيرة على ابتكار روابط جديدة في سلم العلاقات الطبيعيّة والبشريّة ، لا تتيسّر إلاّ لشعراء كبار ، أمضوا سنيّهم في حراء الشّعر بحثًا عن تجليات صوريّة شبيهة بالعلاقات الّتي نجح في نسجها. ويكفي أن نحيل ، في هذا الصدّد ، إلى قصيدته "قصر نظر" ، والتي أبدع الشاعر فيها كما لم يبدع شاعر من قبل :

" ألوّن بالبلاغة مفردات خسارتي
أئد انكساراتي وجهلي
في رمال الصوت
... هيّأت في صدري مقابر لي
لوقع خطاي فوق تعرّج الأيّام
فوق غيوم أحلامي الّتي صدئت..."

فأيّ علاقة رائعة ، نجح الشّاعر في نسجها بين الخسارة والمفردات ، وبين الصدر والمقابر ، وبين الصّدأ والغيم ؟ إنّه التتويج النهائيّ لعمق التصوير الدّاخلي الّذي ينبع أوّل ما ينبع من عظيم التحسّس بالخسارات ولا جدوى اللغة في سعيها الحثيث لترويض الخيبة والأمل. إنّها التجربة الصوريّة بأقصى أبعادها وإمكاناتها ، تجلّت في أوج الحلول وارتدت حلّة لغويّة في لحظة مؤاتية ، بحيث تقصر معاجم اللغة جميعها عن الإتيان بمرادف بديل للكلمات الّتي نزلت في موقعها ، والّتي استحال على أيّ لفظ أن يعطيها الزخم الانفعالي نفسه ، والبعد التصويري عينه.

الفقرة الثانية . ـ مسألة الموسيقى في شعر مهدي منصور
لا نغالي بالقول ، إذا قلنا بأنّ التقسيم ، الّذي مرّ ذكره في الفقرة السابقة ، هو عينه التّقسيم الّذي ينطبق على مسألة الموسيقى في شعره.
تتنازع النصّ المهدويّ موسيقتان. موسيقى خارجيّة تتأتّى عن طبيعة الوزن والقافية المتبعتين ، وموسيقى داخليّة يفرضها حجم الانفعال الحقيقيّ ، ومدى نجاح الشاعر في صقله وترويضه ليتلاءم مع الكيفيّة الحقيقيّة الّتي ينبغي أن تظهر بها أيّ تجربة من التجارب الشعريّة الكبرى.
لكن ما يجدر التوقّف عنده في هذا السّياق ، هي الثنائيّة عينها التي حكمت الترابط بين الموسيقى الخارجيّة والتعبير النثريّ ، والموسيقى الدّاخليّة والتعبير الشّعري. فأنّى أجلت الطّرف في قصائد مهدي منصور ، ألفيت الموسيقى الشعريّة تتراوح بين مستويين : المستوى الانفعاليّ ، وفيه تتراجع موسيقى الوزن والقافية إلى حدودها الدنيا ، مفسحة في المجال أمام الموسيقى الدّاخليّة ، للتمظهر بأبهى حللها ، وتاليًا ، للتعبير الشعري في أن يأخذ حيّزه المميّز وشكله النهائيّ العصيّ على كلّ أنواع النقد. والمستوى الافتعاليّ ، وفيه تتقدّم موسيقى الوزن والقافية أشواطًا في رسم الهيكليّة الّتي تنبني عليها القصيدة بأكملها. بيد أنّ قصور الوزن والقافية ، عن خلق حالة إبداعيّة انفعاليّة في نصّه ، قرّب صوره وتعابيره من النثريّة ، حتّى لامست المقالة في كثير من الأحايين.
وبشيء من التّفصيل ، يمكن أن نعثر على النّسق عينه داخل القصيدة الواحدة ، ولتكن قصيدة "جدّي" إذ تراه بقول :

" ماذا جنى جدّي ؟
وجدّي كان يعطي الخبز للفقراء
يعطي المال للأيتام والأيام...كي لا تفضح الأيام سيرته
... وكان جدّي لا يكلّ ولا يملّ من الصلاة ولا الصيام
ولا يصرّح عن ديانته
لأنّ الله في الديّان لا الأديان".

وفي القصيدة عينها ، يلج الشاعر مدن الانفعال من أبوابها الواسعة إذ تراه يقول :

" كلّما مرّوا بأفق خياله ... شدّ الوجوه بعضها وبكى...
وحنّ...
بكى وألّف في السّماء وجوههم سحبًا بألوان الحداد..
يقول جدّي يوم قرّر صخر هذي الأرض أن يمشي
وقرّر أن يسافر في الزمان وفي المكان ترابها
أوحى له الرحمن كن
كان نحن...
وكان جدّي نسخة أولى من الإنسان".

فأيّن كاتب المقطع الأخير ، من مسطّر المقطع الأوّل ؟ وأيّ بينٍ بين روعة التجليّ في سورة التّكوين الّتي نأت بجدّه عن حدود الابتزال الرثائيّ ، من السيرة الغيريّة الّذي تأنف نتها الرواية المعاصرة حتّى في أقصى درجات السرد والوصف ؟
قل كذلك ، عن قصيدته الرائعة "مونودراما تحت الثلج" ، والتي نعثر فيها على تباين واضح في انسيابيّة الموسيقى العذبة ، حينما يصقل انفعاله ويجدّ في طلب المعنى النائيّ ، وتعثّر الموسيقى الخارجيّة وهو يبحث عن أدوات تعبيريّة لقضايا نثريّة بلغت به حدّ الشطط :

"فأشيائي المستقيلة من جسدي تتوارى رويدًا رويدًا
لتزحف مثل الظلال وراءك
... تمامًا كما يتبع الموج حدس البحار
تغادر كلّ الجهات وراءك في حدث مدهش للمكان
... لنحتفل الآن يا جرح
نخبك با خنجر الذكريات المكوّر مثل الجنين في خاصرتي"

وفي مقطع آخر من القصيدة نفسها :

" كتاب لدرويش جار عليه الزمان
رسائل حبّ بخطّ نزار تنام بجنب السرير كقطّ صغير"

dewan2new_400يبدو أن القارئ ، لا يحتاج إلى أيّ عناء ، لينصت السمع خفيفًا إلى دبيب الحياة في الأبيات الأولى ، إذ تستقيل الموسيقى من الوزن والقافية ، وتهرول في أرجاء النصّ ، وتنساب طيّعة سهلة ، وتستجيب لنداء الشعر الكبير ، وتدخل شاعرها مدن الإبداع العظيم.
لكن أينه الشاعر نفسه ، من المقطع الأخير ، حيث تخور قوى الوزن والقافية ، وتقصر عن اللحاق بالذهنيّة الباردة ، والنثريّة البادية ، والسرديّة الرابضة خلف تفاصيل الحلم الشعريّ الجميل.

الفقرة الثالثة . ـ مسألة طرافة المعنى ، وعلاقتها بالذائقة الشعبيّة
يبدو أنّ الثنائيّة الّتي حكمت طبيعة الصورة ، والموسيقى ، في شعر مهدي منصور ، هي عينها الّتي ستتحكّم بجودة المعنى وطرافة التجربة.
ليس عسيرًا ، أن تعثر في قصائد الديوان ، كافّة ، على نمطين من التجارب : تجارب كليّة وجوديّة إنسانيّة راقية ، وتجارب عبثية مراهقة رومنسية عابرة. فما بين قصيدتي "قصر نظر" و"رسل بيادر" ، وبين قصيدتي " مهدّئ أقصاب ترقص في الرّيح" و"لا تلعبي دور الدواء" ، بون شاسع ، وهوّة لا تردم. ( اختيار القصائد تمّ على سبيل المثال لا الحصر).
لقد بلغ الشاعر في قصيدة "رسل بيادر" قمّة التجربة الوجدانية الانفعاليّة الوجوديّة ، وذلكم بالتحديد ما سمح لقصيدته بأن تتجانس لفظًا ومعنى وإيقاعًا.
لقد انطلق الشاعر من طفيليات الحياة اليوميّة ، ليعانق المطلق ، ويلج مدن الوجود ، فعمّق تجربته ، وأتى على الافتعال بارتياده مناطق نائيات ، ونجح في خلق توليفة رائعة بين المعاناة الفلسفيّة والانفعال الشعري ، فجاء النّص ليكون بمثابة قصيدة وجوديّة إنسانيّة تعمّق المعرفة بالأشياء ، وتضفي حقائق جديدة ، لا قبل للبشريّة بها من قبل.

" حتّى القصيدة أنكرت صلتي بها
كم جلت بين قصائدي منفيّا
والدهر بين يديه قلّبَ ادمعي
مرّي ببالي كي أعودَ إليّا..."

وأيّ تصوير وجدانيّ ـ وجوديّ رائع ، ارتقى الشاعر إلى اجتلابه من أقصى أقاصي الغياب. وأيّ جماليّة معنويّة اهتدى إليها ، وهو يلمّ شتاته المبعثر بين الحزن والشعر والوجود والمعنى ؟ يبدو أن أيّ تعبير سيبقى قاصرًا عن قول الشاعر نفسه :

"صلب الاسى شعري على أوزانه
وأنا صلبت غدي على شفتيا
... ذكراك جلجلتي وطيفك منجدي
لو دقّ مسمار الجوى كفيّا
الحزن شاء ـ ولم أشأ ـ أن أصطفى
لأعيش جرحًا أو أموت نبيّا"

إنّها مسألة المعنى ، وانقطاع دابر الصلة بين الوجود الفعلي والوجود الشعريّ. ومسألة الاغتراب اللفظي باتت صنّو الواقع ، وجهان لعملة واحدة ، وليس من مخلّص من هذه الدوامة الوجوديّة الكبرى. كلّ شيء أنكر معناه ، ولم يعد في الأفق أبعد من الأفق. حتّى القصيدة خانت شاعرها ، والاسم خان المسمّى ، إنّها الحالة الوجودية القصوى ، أشبه شيء بالعبث القاتل ، ضاقت رقعة الأرض ، وفضّت حجب الوهم ، فالكتابة مشروع موت دائم ، وتتويج خاسر لخيبات ممتالية ، ينعدم معها أيّ إحساس بجدوى البقاء ، بل بجدوى الكتابة نفسها.

"لكنّ نزف الأرض أبلغ رعشة
وأشدّ وقعًا من صباكِ عليّا"

وإزاء الخسارات المتتالية ، فقد الشاعر إيمانه بأيّ معنى مرتجى. القصيدة حبر قاتل ، والجمال الأنثويّ ممّر متأخّر للعبور نحو الحقيقة النهائيّة ، حيث لا منج إلا الموت ، واليأس ، والإحساس بعظيم الفقد ، وأن لا شيء يعيد للأشياء جدواها ، وللوجود رونقه ، وللغة قدسيتها الأولى.
وقصيدة " قصر نظر " ليست أقلّ وطأة على الشاعر والقارئ في آن ، حيث يعلن صراحة ضرورة التمرّد على أصنام القبيلة القابعة في زوايا التراث ، والتي تتحكّم بنا بألف لون ولون.

"ها أنا عابد أصنام عاداتي
وأصنام الفحولة والخداع بقعر واد غير ذي زرع
... وأرمي ألف ابراهيم يوميًّا بوسط النار"

إنّه اليأس من القدرة على التغيير ، فالشاعر أسير أصنام القبيلة ، التي هي عينها أصنام الخداع في وادٍ لا ينبت فيه أيّ أمل ، وما حرق ابراهيم إلاّ صورة للتمرّد العاجز ، والثورة المحبطة ، واليقين الحائر. إنّها لعبة المتناقضات ، حيث الوجود هو عينه اللغة ، والتفلسف هو عينه الشعر.
ويمرّ الشاعر خلسة ، من باب الشعر العظيم ، إلى باب المبتذل والشائع ، فيسقط في فخّ الرومنسيّة التقليديّة ، ويقع أسير انفعالاته الطارئة والعابرة.

" لماذا رميت الجريدة غاضبة صبح ذاك الأحد؟
لأنيّ ذهبت بعيدًا بوصف الشفاه التي تتكوّر مثل الأنوثة
في وجه سيدّة لا تطابق جيناتها الأنثوية والمخبريّة في
 الشعر عالمك الغجريّ
... لماذا رميت الجريدة؟
دعكِ من شغبي في الجريدة
كان بوسعك أن تقرأي خبرًا في السياسة أو في الثقافة
أو في الرياضة"

ثمّة بون شاسع ، بين كلتا التجربتين. إنّها التجربة المغرقة في طفيليات ونثريات الحياة اليوميّة ، رغبة التواصل والعيش مع الآخر شعريًّا ، محاولة لقتل المعنى ، أو للاعتذار عن قصيدة كتبت في معرض وصف أنثويّ جميل. فلعمري ، كيف يرتضي الشاعر أن تجمع دفتا ديوان قصيدتين متباينتين إلى هذا الحدّ ؟
وفي قصيدة أخرى ، يتابع الشاعر خطاه السيريّة نفسها فيقول :

"أنا لا أريدك وجبة يوميّة
فلتفهمي وجعي وسرّ ولوعي
فيداك آخر ما تكون كرحلة المترو
كخفق دائم بضلوعي
لا تلعبي دور الدواء ولا الدوام
المدرسيّ وعطلة الأسبوع"

إنّها التجربة الرومنسيّة الرثّة ، التجربة المراهقة في حـضرة المفردات المهترئة ، والموسيقى المبتذلة ، والانفعال الغثّ.
يبدو أنّ مراجعة دقيقة للشاعر ، ستتيح له دون عناء كبير أن يسقط هذه القصائد ، ليس من ديوانه الأخير ، وحسب ، بل من ذاكرته الشعريّة برمّتها.

المبحث الثاني . ـ المهدويّة واستشراف المستقبل الشعريّ
في الأفق ما ينذر بقيامة شعرية قادمة.
فإذا أسقطنا من الحسبان ، بعض القصائد الطفوليّة أو المنبريّة ، بإمكاننا أن نعثر في ديوان كي لا يغار الأنبياء ، على نواة شعريّة أصيلة ، وتجارب وجوديّة كليّة ، قابلة للتطوير ، من خلال الاشتغال على مسألة الإيقاع الداخلي ، وتعميق التجارب الانفعاليّة ، وإصاخة السّمع إلى نداء المجهول ، نداء ما كان بعيدًا. والواقع ، أن تجربة الوجود ، ليست تجربة عابرة في السياق الشعري للشاعر. إذ إنّها تنطوي على أبعاد تأمليّة لا حصر لها ، وتتأسّس على مداميك مضمونيّة وقدرات تعبيريّة هائلة. وعليه ، والحقّ يقال ، بإمكان الناشئ أن يعوّل على قراءة هذا الديوان ، في تشكيل ترسيمة المرحلة الشعريّة القادمة ، فإذا ما نجح الجيل القادم في تهجؤ مفرداته ، واستيعاب خطّ سيره الإبداعيّ ، فإنّه لا شكّ سيختصر مسافات طويلة ، مستفيدًا من التعثرات المهدويّة ، مقتديًا بجودة تصاويره ، وعمق تجربته ، وطرافة المعنى لديه ، والتي تجلّت على أكثر من مستوى ، على امتداد قصائد الديوان كافّة.

 الآراء الواردة في هذه الصفحة تعبر عن آراء أصحابها فقط؛ ولا تعبر بالضرورة عن رأي دار الأمير للثقافة والعلوم.

11-04-2010 الساعة 12:45 عدد القرآت 4176    

الإسم
البريد
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

تعليقات القراء 6 تعليق / تعليقات

حسن حسن: سلام عليك

06-05-2010 | 16-10د

سعيد بقراءتي لأبياتك ها هنا وبالتقائي معانيك الشامخة أرزاً يجول القصيدة
تحساتي

عفاف منصور: دعاء لك بدوام التالق

02-05-2010 | 16-20د

من ارز لبنان الله خلقك وخلق كل المجد فيك الله يعللي مراتبك ويخليك للاهل اللي ربوك ويخللي كل شعب لبنان شايف حالو بلبنان وفيك بنت لبنان انا وبفتخر بلبناني وفيك وبفتخر وين ماكون بابن الجنوب اللي تكون فيك انت رمز لكل شباب المقاومه والله حط كل حسنو فيك بطلب للاله يحفظك ويحميك لاهلك ومن عين الحسد يحميك

عفاف منصور: اعجاب في كلمتك وفي طلتك

02-05-2010 | 16-12د

سبحان رب السما لعاطيك صورة بالحسن وزادك بالعلم وكاني اكتشفت كتير من الخلق الجميل والاخرق فيك بفتخر اني من جبل لبنان وبفتخر فيك وكلما دخلت على كلماتك اقرءهم بشعر بكل كلمه قلتها وبشوف حالي بلبنان وفيك بنت منصور انا متلك الله يبارك بعيلتي اللي انجبت شب متلك والله يبارك فيك واكيد يبارك بالاهل اللي انجبوك وربوك على حسن الخلق واهتمو فيك والله يطول بعمرك وتكون للبنانا فخر ونبقى عطول العمر نفتخر فيك

ghada alahmar: kay la yaghar le2anbeya2

18-04-2010 | 09-30د

salam ana 3atoul metebe3a mahdi mansour mashalah be3a2ed betmanalo naja7 da2em 2ela le2amam yarab keter 7elw sho ma beyktob tc bye

عبدالله العريمي: .........

12-04-2010 | 19-07د

شكرا وممبارك صدور ديوان كي لا يغار الأنبياء
مما لا شك فيه بأن صديقي الجميل مهدي منصور مبدع كبير وإنسان أكبر
وهنا أسجل وقفة إعجاب لقلم الأستاذ باسل بديع الزين لأنه استطاع الوصول لمكامن الجمال وأتقن مسك المبضع لتشريح الجسد الشعري بكل أناقة وجمال
الأستاذ باسل جميلة القراءة بهذا الشكل الذي يفتقده الكثير والكثير من نقادنا العرب
فالناقد العربي إما مزمار أو جلاد
أما أنت فقد كنت موسيقيا رائعا وطبيبا ماهرا
وأما مهدي فهو شاعر شاعر
محبتي

باسل الزين: شكر على النشر

12-04-2010 | 08-44د

تحية إلى جميع العابرين من هنا
أشكركم على نشركم هذا المقال وأتمنى لكم دوام التوفيق...
كما يسعدني ان اتمنى للشاعر مهدي منصور النجاح الذي يليق به كإنسان

محبّة

جميع الحقوق محفوظة لدار الأمير © 2008