الصفحة الرئيسة البريد الإلكتروني البحث
النموذج وأثره في صناعة الوعيتبادل الدلالة بين حياة الشاعر وحياة شخوصهالشيعة والدولة ( الجزء الثاني )الشيعة والدولة ( الجزء الأول )الإمام الخميني من الثورة إلى الدولةالعمل الرسالي وتحديات الراهنأضحى مباركتالا - قصةسِنْدِبادِيَّات الأرز والنّخِيلحفل توقيع كتاب جنوبية من أرض العطاءندوة حاشدة حول رواية شمسندوة وحفل توقيع رواية " شمس "خنجر حمية وقّع الماضي والحاضرمحمد حسين بزي وقع روايته " شمس "توقيع رواية شمستوقيع المجموعة الشعرية قدس اليمندار الأمير في معرض بيروتتوقيع كتاب قراءة نفسية في واقعة الطفدار الأمير في معرض الكويتمشاكل الأسرة بين الشرع والعرفالماضي والحاضرالفلسفة الاجتماعية وأصل السّياسةتاريخ ومعرفة الأديان الجزء الثانيالشاعرة جميلة حمود تصدر دمع الزنابقبيان صادر حول تزوير كتب شريعتي" بين الشاه والفقيه "محمد حسين بزي أصدر روايته " شمس "باسلة زعيتر وقعت " أحلام موجوعة "صدر حديثاً / قراءة نفسية في واقعة الطفصدر حديثاً / ديوان جبر مانولياصدر حديثاً / فأشارت إليهصدر حديثاً / رقص على مقامات المطرتكريم وحفل توقيع حاشد للسفير علي عجميحفل توقيع أحلام موجوعةتوقيع ديوان حقول الجسدباسلة زعيتر تُصدر باكورة أعمالهاالسفير علي عجمي يُصدر حقول الجسدصدر حديثاً عن دار الأمير كتاب عين الانتصارجديد دار الأمير : مختصر كتاب الحج للدكتور علي شريعتيصدر حديثاً كتاب دم ابيضاصدارات مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي
الصفحة الرئيسة اّخر الإصدارات أكثر الكتب قراءة أخبار ومعارض تواصل معنا أرسل لصديق

جديد الموقع

النموذج وأثره في صناعة الوعيتبادل الدلالة بين حياة الشاعر وحياة شخوصهالشيعة والدولة ( الجزء الثاني )الشيعة والدولة ( الجزء الأول )الإمام الخميني من الثورة إلى الدولةالعمل الرسالي وتحديات الراهنأضحى مباركتالا - قصةسِنْدِبادِيَّات الأرز والنّخِيلحفل توقيع كتاب جنوبية من أرض العطاءندوة حاشدة حول رواية شمسندوة وحفل توقيع رواية " شمس "خنجر حمية وقّع الماضي والحاضرمحمد حسين بزي وقع روايته " شمس "توقيع رواية شمستوقيع المجموعة الشعرية قدس اليمندار الأمير في معرض بيروتتوقيع كتاب قراءة نفسية في واقعة الطفدار الأمير في معرض الكويتمشاكل الأسرة بين الشرع والعرفالماضي والحاضرالفلسفة الاجتماعية وأصل السّياسةتاريخ ومعرفة الأديان الجزء الثانيالشاعرة جميلة حمود تصدر دمع الزنابقبيان صادر حول تزوير كتب شريعتي" بين الشاه والفقيه "محمد حسين بزي أصدر روايته " شمس "باسلة زعيتر وقعت " أحلام موجوعة "صدر حديثاً / قراءة نفسية في واقعة الطفصدر حديثاً / ديوان جبر مانولياصدر حديثاً / فأشارت إليهصدر حديثاً / رقص على مقامات المطرتكريم وحفل توقيع حاشد للسفير علي عجميحفل توقيع أحلام موجوعةتوقيع ديوان حقول الجسدباسلة زعيتر تُصدر باكورة أعمالهاالسفير علي عجمي يُصدر حقول الجسدصدر حديثاً عن دار الأمير كتاب عين الانتصارجديد دار الأمير : مختصر كتاب الحج للدكتور علي شريعتيصدر حديثاً كتاب دم ابيضاصدارات مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي

أقسام الكتب

مصاحف شريفة
سلسلة آثار علي شريعتي
فكر معاصر
فلسفة وتصوف وعرفان
تاريخ
سياسة
أديان وعقائد
أدب وشعر
ثقافة المقاومة
ثقافة عامة
كتب توزعها الدار

الصفحات المستقلة

نبذة عن الدار
عنوان الدار
دار الأمير وحرب تموز 2006
About Dar Al Amir
Contact Us
شهادات تقدير
مجلة شريعتي
مواقع صديقة
هيئة بنت جبيل
اصدارات مركز الحضارة

تصنيفات المقالات

عملاء حرب تموز
ريشة روح
قضايا الشعر والأدب
شعراء وقصائد
أقلام مُقَاوِمَة
التنوير وأعلامه
قضايا معرفية
قضايا فلسفية
قضايا معاصرة
الحكمة العملية
في فكر علي شريعتي
في فكر عبد الوهاب المسيري
حرب تموز 2006
حرب تموز بأقلام اسرائيلية
English articles

الزوار

7963436

الكتب

278

القائمة البريدية

 

محمد عبده... رائد الإصلاح

((التنوير وأعلامه))

تصغير الخط تكبير الخط

محمد عبده... رائد الإصلاح
( 1266 هـ- 1323هـ= 1849م- 1905م )

• توطئة. mohammadabdo1_200
• الأستاذ الإمام "محمد عبده" في سطور.
• المولد والنشأة.
• الدراسة بالأزهر.
• مع "جمال الدين الأفغاني".
• أولى خطواته في معترك الحياة.
• في جريدة الوقائع المصرية.
• "محمد عبده" والثورة العرابية.
• جهاده في المنفى.
• العودة إلى الوطن.
• إصلاح الأزهر.
• إصلاح المحاكم الشرعية والأوقاف.
• في ميادين الإصلاح الأخرى.
• وفاة الشيخ "محمد عبده".
• أهم المراجع.

• توطئة:

كانت حياة الإمام "محمد عبده" خصبةً غنيةً، حافلةً بجلائل الأعمال، وعظائم الأمور، وهي حياة أقامها بنفسه وصنعها بعقله وقلمه، ورسمها بجده واجتهاده، فلم يعرف يومًا الملل، ولا تطرق إليه اليأس والوهن.. ومضى في طريقه مدفوعًا بعزيمة صادقة، لا يلتفت إلى العقبات، ولا تضعفه الصعاب والأزمات؛ حتى بلغ شاطئ الفوز والنجاح.
كان يطالع ويتعلم، ويحرر الوقائع المصرية، ويلهم الثورة العرابية، ويشتغل بالقضاء في المحاكم، ويعلِّم بالأزهر، ويصدر الفتاوى، ويحضر جلسات مجلس شورى القوانين، ويشرف على أعمال الجمعية الخيرية الإسلامية، ويضع مشروعات الإصلاح للأزهر وللمحاكم الشرعية، ويؤلف الرسائل الدينية، ويفسر القرآن الكريم، ويدافع عن الإسلام؛ فأي حياة كان يحياها هذا المصلح الكبير؟!

• الأستاذ الإمام "محمد عبده" في سطور:

• ولد بقرية (شبشير الحصة) في سنة 1849م.
• تلقى تعليمه في منزله وحفظ القرآن، ثم انتقل إلى طنطا والتحق بالمسجد الأحمدي في سنة 1862م.
• ترك التعليم في المسجد الأحمدي ونزح إلى قريته، ثم عاد إليه مرةً أخرى ومنه إلى الأزهر في سنة 1865م.
• التقى بالسيد جمال الدين الأفغاني أثناء تعلمه بالأزهر وتأثَّر به.
• نال الشهادة العالمية في سنة 1877م.
• بعد تخرجه عمل بالأزهر وبمدرسة دار العلوم، ثم عُين رئيسًا لتحرير جريدة (الوقائع المصرية) في سنة 1880م.
• نُفِي من مصر بسبب اشتراكه في الثورة العرابية، وتنقل في عدة بلاد، حتى استقر في بيروت.
• عاد إلى مصر في سنة 1889م، وعمل بالقضاء، وتدرج في مناصبه.
• عُيِّن عضوًا بمجلس إدارة الأزهر في سنة 1895م، وعمل على إجراء عدة إصلاحات مهمة فيه.
• اُختير مفتيًا للديار المصرية في سنة 1899م.
• تُوفي بالإسكندرية في سنة 1905م.

• المولد والنشأة:

ولد "محمد بن عبده بن حسن خير الله"، المعروف بـ"محمد عبده" في سنة (1266هـ- 1849م) ي قرية "شبشير الحصة" من قرى محافظة الغربية بمصر، ولكنه نشأ بقرية "محلة نصر" من قرى مركز (شبراخيت) التابع لمحافظة البحيرة؛ حيث نشأ والده، ونشأت أسرته من قبله.
تعلم "محمد عبده" القراءة والكتابة في منزل أبيه، وحفظ القرآن الكريم وهو في سن العاشرة، ثم أرسله والده إلى طنطا في سنة (1279هـ- 1862م) ليجوِّد القرآن في المسجد الأحمدي لشهرة قرائه بفنون التجويد.
ثم انتظم بعد عامين في دروس العلم التي كانت تُعقَد في المسجد الأحمدي، وكان يُسمى آنذاك بـ"الأزهر الصغير" أو "الأزهر الثاني"، وبدأ بتلقي (شرح الكفراوي على الأجرومية)، وقضى سنةً ونصف السنة في تلقي دروس العلم، وهو لا يفهم شيئًا؛ لوعورة الكتب التي تُدرَّس، ورداءة طرق التعليم المتبعة، فانصرف عن الدرس يائسًا من التعلم والنجاح، وعاد إلى بلده، واشتغل بالزراعة، لكن أباه أصرّ على عودته مرة أخرى إلى المسجد الأحمدي، فهرب إلى بلدة فيها بعض أقاربه، وشاء القدر أن يلتقي هناك بالشيخ "درويش خضر" خال أبيه، وكان رجلاً صوفيًّا على قدرٍ من العلم، استطاع في خمسة عشر يومًا أن يكبح جماح الفتى، وأن يفتح له بابًا من العلم، وأن يُزكي نفسه، ويصفي روحه، وكان من أثر هذا اللقاء أن عاد الشيخ "محمد عبده" إلى الدراسة في المسجد الأحمدي، واستأنف حياته من جديد بروح وثَّابة، وثقة ظاهرة، فانفتح ما كان مغلقًا عليه، وفهم ما كان غامضًا.

• الدراسة بالأزهر:

وفي سنة (1283هـ- 1866م) انتقل "محمد عبده" إلى القاهرة؛ حيث التحق بالجامع الأزهر، ولم تكن الدراسة تختلف فيه عن المسجدazhar_139 الأحمدي، لكنه كان يضم آنذاك فحول العلماء، وكانت الدراسة تشمل الفقه والأصول والنحو والبلاغة والتفسير والحديث والمنطق، واشتهر من فطاحل العلماء في هذا العصر الشيخ "أحمد الرفاعي"، والشيخ "عليش"، والشيخ "حسن الطويل"، وهذا الأخير كان شيخًا ذكيًّا، له اتصال بكتب الفلسفة القديمة ومصطلحاتها، ومعرفةً بالرياضيات، واتصف بالشجاعة في القول والجهر بما يعتقد أنه صواب، وكان يدرِّس في الأزهر الفلسفة والمنطق، ويحضر دروسه نخبة قليلة من طلبة الأزهر في مقدمتهم "محمد عبده".
وكانت الدراسة في الأزهر شاقَّةً، تفرض على طلاب العلم مختصرات لا تُفهم إلا بشروح وحواشٍ وتقارير، ومليئةً بمعلومات نحوية متشابكة وتدقيقات لفظية ترهق الفكر وتعوقه عن فهم علم النحو، وقُدِّر لـ"محمد عبده" أن يلقى في بلده في الإجازة الشيخ "درويش خضر"، فيتمم له ما بدأه معه من دروس التصوف وتنقية العقيدة، وفي الوقت نفسه يعرض عليه "محمد عبده" ما درسه في العام، وما يجده في نفسه، وقد لقنه الشيخ "درويش" درسًا مهمًّا عاب فيه عليه عزلته، وعدم اتصاله بالناس، وقصر عنايته على تكميل نفسه وإصلاحها، دون أن يتجه إلى إصلاح مَنْ حوله، ثم حمله على أن يغشى المجتمعات في البلد معه، ويتحدث إلى الناس ويعِظُهم، وما زال معه حتى وجد عنده شيئًا من الألفة مع الناس ومتابعة قضاء مطالبهم.

• مع "جمال الدين الأفغاني":

وفي سنة (1288هـ- 1871م) وفد السيد "جمال الدين" إلى القاهرة قادمًا من الآستانة، وكان شعلة ذكاء، وقوة هائلة متحركة ومحركة، دائم النقد، دافعًا للحركة والثورة والمطالبة بالحقوق، وهَبَ نفسه لإنهاض العالم الإسلامي من غفلته، وإيقاظه من نومته، واتخذ من تنوير عقول الخاصة- من أبناء كل دولة ينزل فيها- وسيلةً لتحقيق أهدافه. afgani_250
اتصل "محمد عبده" بـ"جمال الدين"، وتوثقت الصلة بينهما، وحضر دروسه في المنطق والحكمة والتصوف وأصول الدين، وكانت الدروس الروحية التي تسري من أحاديث هذا المصلح الكبير أعظم وقعًا وأعمق أثرًا من دروس الأوراق والأسفار، ولم تكن شروحه للكتب التي يعرضها على تلاميذه شرحًا لفظيًّا، لكنه كان يشرح العبارة؛ ليستخرج منها قوةً حيَّةً تسري إلى النفس فتحركها إلى العمل، فالعبرة ليست بالكتاب، ولكن بشارح الكتاب.
واستفاد "محمد عبده" من شيخه الرغبةَ الصادقة في العمل، والنزوع إلى الإصلاح الديني والخُلقي والاجتماعي، وكان الأفغاني يقول لتلاميذه: "أنا لا أفهم معنى لقولهم الفناء في الله، وإنما الفناء يكون في خلق الله: تعليمهم، وتنبيههم إلى وسائل سعادتهم وما فيه خيرهم"، وبفضل ما تلقاه "محمد عبده" من أفكار الشيخ تحوَّل عن طريق الزهد، وأقبل على الحياة العاملة، وعلى دروس العلوم المختلفة، التي لم يكن لها مكان في مناهج الأزهر؛ كالفلسفة والرياضيات، والكلام والأخلاق والسياسة، وبدأ يكتب المقالات للصحف في موضوعات ثقافية عامة، وفي سنة (1294هـ- 1877م) تقدم "محمد عبده" لامتحان الشهادة العالمية، تسبقه سمعته بأنه من تلاميذ الأفغاني، وكان ذلك يُعدُّ اتهامًا عند الجامدين من شيوخ الأزهر، وكانت اللجنة قد تعاهدت على إسقاطه بتوجيه أسئلة ظنوها معجزةً له، لكن الشيخ "محمد عبده" أجاب عنها في اقتدار؛ الأمر الذي جعل الشيخ "المهدي العباسي"- رئيس اللجنة وشيخ الجامع الأزهر- يُقسِم أنه لو عرف درجة فوق الأولى لما استكثرها عليه، ولم يكن أمام اللجنة المتعنتة سوى أن تمنحه شهادة العالمية من الدرجة الثانية؛ حلاً للنزاع الذي نشب بين أفرادها، وكانت سنُّه حين دخل الامتحان في نحو الثامنة والعشرين.

• أولى خطواته في معترك الحياة:

وبعد تخرجه في الأزهر عمل بالتدريس فيه، وكان يقرأ لطلبته في الأزهر دروسًا في المنطق والفلسفة والتوحيد، ويقرأ في بيته (تهذيب الأخلاق) لـ"مسكويه"، و(تاريخ المدينة في أوربا وفرنسا) للمؤلف الفرنسي "فرانسوا جيزو" الذي عَّربه "حنين نعمة الله خوري"، وسمَّاه "التحفة الأدبية في تاريخ تمدن الممالك الأوربية".
وبعد التدريس في الأزهر نحو سنتين عُيِّن أستاذًا بدار العلوم في سنة (1296هـ- 1879م)، وقرأ لتلاميذه (مقدمة ابن خلدون)، وألَّف لهم كتابًا في علم الاجتماع والعمران، فُقِدَ ولم يُعثَر عليه، لكنه فُصِل من المدرسة بعد أشهر معدودات لسبب غير مذكور في قرار فصله، لكنه كان مفهومًا بين المطَّلعين على سياسة القصر قبيل الثورة العرابية.. هذا فضلاً عن كونه تلميذ الأفغاني، الذي نفته الحكومة في مطلع حكم الخديوي "توفيق".

• في جريدة (الوقائع المصرية):

تولى "رياض" باشا رئاسة الوزارة في مطلع عهد الخديوي "توفيق"، وجدَّ في تنظيم شئون الدولة، وتشجيع الحركة الأدبية، واتجه- فيما اتجه- إلى إصلاح جريدة (الوقائع المصرية)، وعهد بهذه المهمة في سنة (1297هـ- 1880م) إلى "محمد عبده"، الذي ضمَّ إليه عددًا من الكُتَّاب؛ ليعاونوه في تحرير الجريدة، مثل: "سعد زغلول"، والشيخ "عبدالكريم سلمان"، و"إبراهيم الهلباوي"، واستطاع الشيخ "محمد عبده" أن يبعث في الجريدة روحًا جديدةً وثَّابةً، فنادت الجريدة إلى رفع مستوى الأمة وتقويم أخلاقها، والنهوض بها نهضةً اجتماعيةً في تدرج وأناة.
ومكث الشيخ "محمد عبده" في هذا العمل نحو ثمانية عشر شهرًا، نجح أثناءها في أن يجعل من الجريدة رقابةً على المصالح الحكومية، ومنبرًا للدعوة إلى الإصلاح، وإسماع الحكومة ما تُريد أن تسمعه وما لا تريد أن تسمعه، وقال على صفحاتها كل ما يمكن أن يقوله لو تكلم في حلقات الأزهر أو في حجرات الدراسة بدار العلوم، ودعا في مقالاته إلى العناية بأمر التربية والتعليم، ونَقْدِ العادات السيئة، واحترام القوانين وإطاعتها.

• "محمد عبده" والثورة العرابية:

ولما نشبت الثورة العرابية (1300هـ- 1882م) لم يكن الشيخ "محمد عبده" مشايعًا لها، وعلى خلاف مع زعيمها، وكان يعلن أنه يفضل قيام نظام للحكم، مصحوب بإصلاح داخلي، ووسيلته إلى ذلك نشر الثقافة في الأمة، وبث التربية الأخلاقية والسياسة الحديثة التي تناسب قيام دستور حر، وكان يرى أن يقوم النظام النيابي برضا الأمير وحكومته، لا بالخروج عليه، وأن يكون في البداية من قبيل التمرين والتعويد؛ حتى تبلغ النابتة الجديدة أشدها.
وهاجم "محمد عبده" زعماء الثورة، وندد بهم وهو بينهم؛ لأنه كان يعلم أنها تحبط عمله الذي مضى فيه، وقال: "إنه يخشى أن يجرَّ هذا الشغب على البلاد احتلالاً أجنبيًّا، وصرَّح لـ"عرابي"- زعيم الثورة- مراتٍ كثيرةً قائلاً: "عليك بالهدوء والسكينة، وأنا أضمن لك أكثر مما تطلب في بضع سنين".
اقتضت الحوادث أن يختار إحدى اثنتين؛ إما الانضمام إلى العُرابيين الثائرين، وإما الوقوف في صف أمير البلاد، وهو في الواقع صف التدخل الأجنبي، فاختار الانحياز إلى العرابيين، على الرغم من أنه كان يخشى عاقبة أعمالهم.
وبعد فشل الثورة العرابية اتُّهِمَ "محمد عبده" بالتآمر مع رجالها، فقُبض عليه، وحُكم عليه بالنفي ثلاث سنوات، فاختار سوريا، ورحل إليها في سنة (1300هـ- 1883م).

• جهاده في المنفى:

غادر "محمد عبده" القاهرة، وأقام نحو عام في لبنان، ثم شد رحاله نحو باريس، بعد أن دعاه أستاذه الأفغاني إلى اللحاق به هناك، وعمل المصلحان الكبيران على تأسيس جمعية وصحيفة أسبوعية بعنوان "العروة الوثقى"، أخذت على عاتقها مناهضة الاحتلال الأجنبي بكافة أشكاله، ورفع نيرانه عن عاتق العالم الإسلامي بالثورة على المحتل، وبث روح العزة الإسلامية، وخلق الأمل في النجاح مكان اليأس، وتوثيق الصلات بين الشعوب الإسلامية، والدعوة إلى قيام حياة اجتماعية وسياسية ودينية على أصول الإسلام الأولى.
ولاقت مجلة "العروة الوثقى" رواجًا هائلاً في العالم الإسلامي، كان من شأنه أن قامت إنجلترا بالتضييق على المجلة، والحيلولة دون وصولها إلى البلاد الإسلامية، فاحتجبت بعد ظهور ثمانية عشر عددًا منها في ثمانية أشهر.
وبعد إغلاق المجلة عاد الشيخ "محمد عبده" إلى بيروت في سنة (1303هـ- 1885م)، وعُهد إليه بالتدريس في المدرسة السلطانية، فأدخل إصلاحات في إدارة المدرسة ومناهج التدريس فيها، وألقى بها دروسه الشهيرة في علم الكلام؛ وهي الدروس التي كانت أصلاً لرسالته المعروفة "رسالة التوحيد"، ودرَّس بها المنطق والبلاغة والتاريخ والفقه على مذهب "أبي حنيفة"، وقام بإلقاء دروس في التفسير في مسجدين من بيروت، لا يتقيد بكتاب في التفسير؛ وإنما يقرأ الآية ويفسرها بما يختار من التفاسير بما يجتهد، ويستطرد في شرح أحوال المسلمين ونقدهم حسبما تلهمه الآية.
واستثمر وقته هناك؛ فشرح نهج البلاغة، ومقامات بديع الزمان الهمذاني، واتخذ من بنية ندوة علمية، يؤمها كبار رجال العلم والأدب في لبنان، وكتب مقالات في الصحف، ووضع لائحتين في إصلاح التعليم الديني في مدارس الدولة العثمانية، رفع أحدهما إلى شيخ الإسلام في الآستانة، والأخرى إلى والي بيروت.

• العودة إلى الوطن:

عاد "محمد عبده" إلى الوطن في سنة (1306هـ- 1888م) بعد أن قضى في المنفى ست سنين، وعُين قاضيًا في المحاكم الأهلية الابتدائية، وكان يود لو عاد إلى التدريس في (دار العلوم)؛ لإحساسه أن التعليم هو ميدانه الصحيح الذي ذاق فيه طعم التوفيق، لكن الخديوي "توفيق" رفض ذلك؛ خوفًا من تأثر التلاميذ بأفكاره، وتدرَّج في مناصب القضاء حتى عُين في سنة (1308هـ- 1890م) مستشارًا في محكمة الاستئناف بالقاهرة.
وكان في مجلس قضائه يتحرى الحق، وينشد العدل فيما يُعرض عليه من قضايا، ويسعى في حل المشكلات وإصلاح ذات البين بين الخصوم ما استطاع سبيلاً، ويتوخَّى في أحكامه تربية الجمهور وإيقاظ ضميره، وبخاصة فيما يتعلق بشهادة الزور.
ولما رأى أن المراجع العربية في القانون غير كافية في عونه في استخلاص المبادئ القانونية عند فلاسفة التشريع الغربي- شرع في تعلم اللغة الفرنسية وهو في الأربعين، وثابر على تعلمها حتى أتقنها، ولم يزل يقرأ بها ويستمع حتى جاوز في اللغة مرتبة الفهم والمطالعة إلى مرتبة الإفهام والكتابة.

• إصلاح الأزهر:

تُوفي الخديوي "توفيق" وخلفه ابنه "عباس حلمي الثاني" في سنة (1310هـ- 1892م)، وكان شابًّا ممتلئًا حماسةً وغيرةً وتصميمًا على مناهضة الاحتلال، فالتف حوله بعض شباب مصر المتحمسين، ورأى فيه "محمد عبده" أملاً في الإصلاح، فاتصل به، وعرض عليه إصلاح ثلاث مؤسسات لا شأن للإنجليز بها، وفي صلاحها صلاح الأمة؛ وهي: الأزهر، والأوقاف، والمحاكم الشرعية، فاقتنع الخديوي، وطلب منه أن يتقدم بخطة لإصلاح الأزهر ففعل، وصدر قانون تمهيدي بخصوص هذا الشأن في ( 17 من رجب 1312هـ= 15 من يناير 1895م) بموجبه تشكل مجلس لإدارة الأزهر برئاسة الشيخ "حسونة النواوي"، وضمَّ بين أعضائه "محمد عبده"، و"عبدالكريم سلمان" ممثلين عن الحكومة.
أخذ الشيخ "محمد عبده" يحرك مجلس الإدارة للإصلاح؛ فقام بزيادة رواتب المدرسين وتنظيمها، بالسعي لدى الحكومة لتخصيص مبلغ من ميزانية الدولة ينفق منه على الدراسة بالأزهر، باعتبار أن ذلك واجب حكومي، كالإنفاق على مدارس الحقوق والشرطة والمعلمين، ووضَعَ لائحةً لتنظيم كساوي التشريف؛ وهي أردية تُلبس في مناسبات معينة لتخص أصحابها بالتشريف وتميزهم عن غيرهم، وسعى إلى العناية بمساكن طلبة الأزهر (المجاورين)، وإخضاعها للإشراف الطبي، وعمل على تدريس العلوم الحديثة مع الترغيب فيها بالمكافأة الحسنة والترشيح لوظائف القضاء والتعليم، وسعى إلى تنظيم أوقات الإجازات الدراسية وتحديد مواعيدها، وأحيا مكتبة الأزهر بعد أن كانت في أسوأ حال من الإهمال، وجمع لها الكتب المبعثرة في الأروقة المختلفة فرُتبت وصُنفت، ونَظَّم ما بقي منها في الأروقة المهمة، وعاود التدريس بالأزهر فألقى دروسًا في التوحيد وتفسير القرآن والبلاغة والمنطق.
غير أن هذه الجهود العظيمة لقيت معارضةً من الجامدين من الأزهريين، فعادَوا الشيخ "محمد عبده" وهاجموه، فاضطُّر إلى الاستقالة من مجلس إدارة الأزهر في سنة (1323هـ- 1905م).

• إصلاح المحاكم الشرعية والأوقاف:

تولى الشيخ "محمد عبده" منصب الإفتاء في مصر في سنة (1317هـ- 1899م)، فأضفى بشخصيته على المنصب شأنًا ونفوذًا لم يُعرف من قبل، وأذاعت فتاواه شهرتَه في الآفاق، وجعلته زعيمًا من زعماء عصره يشار إليه بالبنان، ويقصده القاصي والداني، وجرّت عليه بعض فتاويه هجومًا شرسًا، وأثارت سخط البعض عليه، مثل فتواه بحل إيداع الأموال في صندوق التوفير، وأخذ الفائدة عليها، وحل أكل ذبائح غير المسلمين.
وهيأ له منصبُ الإفتاء الإشرافَ على المحاكم الشرعية، ودفعه الاهتمام بها إلى العمل على إصلاحها، وكتب تقريرًا وصف فيه الحالة السيئة التي عليها هذه المحاكم؛ من قلة رواتب القضاة، وسوء الأماكن المخصصة للمحاكم، وبيَّن طرق العلاج اللازمة لعملية الإصلاح، ورفع هذا التقرير إلى نظارة الحقانية، فاتخذت الإجراءات الكفيلة بتنفيذ ما تيّسر له، كما تقدم باقتراح لإنشاء مدرسة القضاء الشرعي.
وبحكم وظيفة الإفتاء كان الشيخ "محمد عبده" عضوًا في المجلس الأعلى لإدارة الأوقاف، فسعى إلى إصلاح حال المساجد وشروط الخدمة فيها، واقترح أن يكون الأئمة والخطباء والمؤذِّنون من علماء الأزهر، وأن يكلَّف إمام المسجد بعمل درس لعامة الوافدين عليه والمصلين فيه.

• في ميادين الإصلاح الأخرى:

كان الشيخ "محمد عبده" من أوائل المؤسسين للجمعية الخيرية الإسلامية التي كانت تهدف إلى إعانه العاجزين من المسلمين عن الكسب بالمال، وإنشاء المدارس لتعليم أبناء الفقراء الذين ليس في مقدورهم تحمل نفقات التعليم، وقد تولى الشيخ رئاسة الجمعية في سنة (1318هـ- 1900م)، وظل في رئاستها إلى أن عاجلته المنية.
وأسس في سنة (1318هـ- 1900م) جمعيةً تحت رئاسته سُمِّيت باسم "جمعية إحياء الكتب العربية"، قامت بطبع عدد من أمهات الكتب العربية، مثل: (أسرار البلاغة ودلائل الإعجاز) لـ"عبد القاهر الجرجاني"، و(المخصص) لـ"ابن سيده" في سبعة عشر مجلدًا.
وقام "محمد عبده" بالدفاع عن الإسلام ضد خصومه، فردَّ على وزير الخارجية الفرنسية "جبريل هانوتو"، الذي نشر مقالاً بعنوان "موقفنا من الإسلام والمسألة الإسلامية"، كما ردَّ على "فرح أنطون"، الذي كتب مقالاً عن "ابن رشد"، زعم فيه أن المسيحية كانت أرحب صدرًا من الإسلام في مواجهة العلماء والفلاسفة، ولم يكتف في رده بمقالة واحدة، بل كتب سلسلةً من المقالات في مجلة (المنار)، جُمعت بعد ذلك في كتاب بعنوان "الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية".

• وفاة الشيخ "محمد عبده":

بعد أن يئس الشيخ "محمد عبده" من إصلاح الأزهر، فكر في إنشاء معهد جديد ينظمه حسب ما يتراءى له، وأوقف أحد الأثرياء قطعةً من الأرض لهذا الغرض، لكن المنية حالت دون تحقيق هذا الأمل، ووافاه الأجل بالإسكندرية بعد مرض طويل، وكان يستعد للسفر إلى أوربا للعلاج، وذلك في (8 من جمادي الأولى 1323هـ= 11 من يوليو 1905م).

• أهم المراجع:

* أحمد أمين: زعماء الإصلاح في العصر الحديث- مكتبة النهضة المصرية- القاهرة (1948م).
* أنور الجندي: أعلام وأصحاب أقلام- دار نهضة مصر- القاهرة- بدون تاريخ.
* تشارلز أدمز: الإسلام والتجديد في مصر- ترجمة عباس محمود- القاهرة (1353هـ- 1935م).
* عباس محمود العقاد: محمد عبده- سلسلة (أعلام العرب)- القاهرة (1962م).
* عثمان أمين: رائد الفكر المصري الإمام محمد عبده- مكتبة النهضة المصرية- القاهرة (1955م(.
* محمد رشيد رضا: تاريخ الأستاذ الإمام محمد عبده- القاهرة (1931)م.

 الآراء الواردة في هذه الصفحة تعبر عن آراء أصحابها فقط؛ ولا تعبر بالضرورة عن رأي دار الأمير للثقافة والعلوم.

12-06-2008 الساعة 06:54 عدد القرآت 4274    

الإسم
البريد
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جميع الحقوق محفوظة لدار الأمير © 2008