الصفحة الرئيسة البريد الإلكتروني البحث
هبوط في الصحراء مع محمد حسين بزيهوية الشعر الصّوفيالمقدس السيد محمد علي فضل الله وحديث الروحعبد المجيد زراقط في بحور السرد العربيقراءة في كتاب التغيير والإصلاحبرحيل الحاجة سامية شعيب«إحكي يا شهرزاد» اهتمام بشؤون المرأة المعاصرةالنموذج وأثره في صناعة الوعيتبادل الدلالة بين حياة الشاعر وحياة شخوصهالشيعة والدولة ( الجزء الثاني )الشيعة والدولة ( الجزء الأول )الإمام الخميني من الثورة إلى الدولةالعمل الرسالي وتحديات الراهنإطلاق كتاب هبوط في الصحراءصدور هبوط في الصحراءمتحدِّثاً عن هوية الشعر الصوفينعي العلامة السيّد محمد علي فضل اللهندوة أدبية مميزة وحفل توقيعاحكي يا شهرزاد في العباسيةفي السرد العربي .. شعريّة وقضاياحوار مفتوح مع د. يوسف زيدانمعرض مسقط للكتاب 2019متواليات تراثيةمتواليات صوفيةالتصوف وفصوص النصوص الصوفيةدار الأمير تنعى د. بوران شريعت رضويالعرس الثاني لـ شهرزاد في النبطيةصدر حديثاً كتاب " حصاد لم يكتمل "جديد الشاعر عادل الصويريدرية فرحات تُصدر مجموعتها القصصيةتالا - قصةسِنْدِبادِيَّات الأرز والنّخِيلندوة حاشدة حول رواية شمسندوة وحفل توقيع رواية " شمس "خنجر حمية وقّع الماضي والحاضرمحمد حسين بزي وقع روايته " شمس "توقيع رواية شمستوقيع المجموعة الشعرية قدس اليمندار الأمير في معرض بيروتتوقيع كتاب قراءة نفسية في واقعة الطفدار الأمير في معرض الكويتمشاكل الأسرة بين الشرع والعرفالماضي والحاضرالفلسفة الاجتماعية وأصل السّياسةتاريخ ومعرفة الأديان الجزء الثانيالشاعرة جميلة حمود تصدر دمع الزنابقبيان صادر حول تزوير كتب شريعتي" بين الشاه والفقيه "محمد حسين بزي أصدر روايته " شمس "باسلة زعيتر وقعت " أحلام موجوعة "صدر حديثاً / قراءة نفسية في واقعة الطفصدر حديثاً / ديوان جبر مانولياصدر حديثاً / فأشارت إليهصدر حديثاً / رقص على مقامات المطرتكريم وحفل توقيع حاشد للسفير علي عجميحفل توقيع أحلام موجوعةتوقيع ديوان حقول الجسدباسلة زعيتر تُصدر باكورة أعمالهاالسفير علي عجمي يُصدر حقول الجسدصدر حديثاً عن دار الأمير كتاب عين الانتصارجديد دار الأمير : مختصر كتاب الحج للدكتور علي شريعتيصدر حديثاً كتاب دم ابيضاصدارات مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي
الصفحة الرئيسة اّخر الإصدارات أكثر الكتب قراءة أخبار ومعارض تواصل معنا أرسل لصديق

جديد الموقع

هبوط في الصحراء مع محمد حسين بزيهوية الشعر الصّوفيالمقدس السيد محمد علي فضل الله وحديث الروحعبد المجيد زراقط في بحور السرد العربيقراءة في كتاب التغيير والإصلاحبرحيل الحاجة سامية شعيب«إحكي يا شهرزاد» اهتمام بشؤون المرأة المعاصرةالنموذج وأثره في صناعة الوعيتبادل الدلالة بين حياة الشاعر وحياة شخوصهالشيعة والدولة ( الجزء الثاني )الشيعة والدولة ( الجزء الأول )الإمام الخميني من الثورة إلى الدولةالعمل الرسالي وتحديات الراهنإطلاق كتاب هبوط في الصحراءصدور هبوط في الصحراءمتحدِّثاً عن هوية الشعر الصوفينعي العلامة السيّد محمد علي فضل اللهندوة أدبية مميزة وحفل توقيعاحكي يا شهرزاد في العباسيةفي السرد العربي .. شعريّة وقضاياحوار مفتوح مع د. يوسف زيدانمعرض مسقط للكتاب 2019متواليات تراثيةمتواليات صوفيةالتصوف وفصوص النصوص الصوفيةدار الأمير تنعى د. بوران شريعت رضويالعرس الثاني لـ شهرزاد في النبطيةصدر حديثاً كتاب " حصاد لم يكتمل "جديد الشاعر عادل الصويريدرية فرحات تُصدر مجموعتها القصصيةتالا - قصةسِنْدِبادِيَّات الأرز والنّخِيلندوة حاشدة حول رواية شمسندوة وحفل توقيع رواية " شمس "خنجر حمية وقّع الماضي والحاضرمحمد حسين بزي وقع روايته " شمس "توقيع رواية شمستوقيع المجموعة الشعرية قدس اليمندار الأمير في معرض بيروتتوقيع كتاب قراءة نفسية في واقعة الطفدار الأمير في معرض الكويتمشاكل الأسرة بين الشرع والعرفالماضي والحاضرالفلسفة الاجتماعية وأصل السّياسةتاريخ ومعرفة الأديان الجزء الثانيالشاعرة جميلة حمود تصدر دمع الزنابقبيان صادر حول تزوير كتب شريعتي" بين الشاه والفقيه "محمد حسين بزي أصدر روايته " شمس "باسلة زعيتر وقعت " أحلام موجوعة "صدر حديثاً / قراءة نفسية في واقعة الطفصدر حديثاً / ديوان جبر مانولياصدر حديثاً / فأشارت إليهصدر حديثاً / رقص على مقامات المطرتكريم وحفل توقيع حاشد للسفير علي عجميحفل توقيع أحلام موجوعةتوقيع ديوان حقول الجسدباسلة زعيتر تُصدر باكورة أعمالهاالسفير علي عجمي يُصدر حقول الجسدصدر حديثاً عن دار الأمير كتاب عين الانتصارجديد دار الأمير : مختصر كتاب الحج للدكتور علي شريعتيصدر حديثاً كتاب دم ابيضاصدارات مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي

أقسام الكتب

مصاحف شريفة
سلسلة آثار علي شريعتي
فكر معاصر
فلسفة وتصوف وعرفان
تاريخ
سياسة
أديان وعقائد
أدب وشعر
ثقافة المقاومة
ثقافة عامة
كتب توزعها الدار

الصفحات المستقلة

نبذة عن الدار
عنوان الدار
دار الأمير وحرب تموز 2006
About Dar Al Amir
Contact Us
شهادات تقدير
مجلة شريعتي
مواقع صديقة
هيئة بنت جبيل
اصدارات مركز الحضارة

تصنيفات المقالات

عملاء حرب تموز
ريشة روح
قضايا الشعر والأدب
شعراء وقصائد
أقلام مُقَاوِمَة
التنوير وأعلامه
قضايا معرفية
قضايا فلسفية
قضايا معاصرة
الحكمة العملية
في فكر علي شريعتي
في فكر عبد الوهاب المسيري
حرب تموز 2006
حرب تموز بأقلام اسرائيلية
English articles

الزوار

9185247

الكتب

279

القائمة البريدية

 

محمد علي شمس الدين يوقع كتابه " دم أبيض " مع ندوة حول الكتاب في معرض بيروت

dam1مساء يوم الثلاثاء 8/12/2015 نظمت دار الأمير في معرض بيروت العربي الدولي للكتاب الـ 59 ندوة حول كتاب " دم أبيض " للشاعر الدكتور محمد علي شمس الدين ، شارك في الندوة بالإضافة للشاعر شمس الدين ، الشاعر والناقد عمر شبلي ، و الدكتور محمد حسين بزي الذي أدار الندوة.

الكتاب الصادر حديثاً عن دار الأمير للثقافة والعلوم عبارة عن ست محاورات في الشعر كان أجراها الشاعر اسكندر حبش مع الشاعر شمس الدين ونشرت جميعاً في جريدة السفير .

افتتح الندوة مدير عام دار الأمير الدكتور محمد حسين بزي قائلاً:
كم هو رحيم هذا الدم الأبيض، حين ينزف من غموضٍ هو "سيد الكائنات، وسيدي"..!

وكم هو حري بالشاعر أن يكتب غرقه مختاراً "البحر والمركب والرحلة" دون أن ينشر راياته، " إلا بعد اختبارات عديدة مع الذات" المُلهِمة أو المُلهَمة حتى يتبيّن له الدم الأبيض من الدم الأسود في زمن ظلمات الفكر والشعر والفلسفة.

"الشعر جرح في الغيب" قالها لي يوماً محمد علي شمس الدين قبل أن تجتاحني عبقريته في الشعر وتأملاته في الوجود، فأنمو على أعياد موسيقاه.

فاجرح في غيبكَ وغيبنا يا سيدي؛ حتى تلتئم جراحاتنا أكثر .. فأكثر.

والشعر الذي أفهم، أن تغرف من أقصى بُعد في النفس،، في الحلم، في الصباحات المنتظرة والمنتظرة.

الشعر حلم الصحو، وصحو الحلم..

صرخات وأهات وندوب أبدية لا تتوب عن الحفر في الوعي واللاوعي وأنت تصنع التاريخ وليس تكتبه..

الشعر ثورة الدم على الأجساد البالية، وانتفاضة الروح على الأفكار العقيمة..

الشعر صلاة المهمشين والفقراء حيث لا غروب للشمس إلا في شروقها .. كالخلق المتجدد بنفسه من نفسه في نفسه.

الشعر أيها السادة، أن تصنع الوقت الجميل الخلّاق مؤرخاً حتى نفسك.. بجنونها بجموحها بعشقها حتى يفنى الوقت ولا تفنى...


ثم كانت كلمة الشاعر الدكتور محمد علي شمس الدين والتي كانت بعنوان " قلق المصطلح "، وممّا جاء فيها:
"يأتي من جهة البحر ومن جهة الصحراء طفل بدم أبيض بقنابل دم فوسفورية ويدوّن فوق اللاشيء هواجسه: لا شيء" (من قصيدة أنثى الرماد من ديوان نجيم لأحلام الملك المخلوع المؤسسة العربية للدراسات والنشر ط2 – 1983)

الشعر, على الرغم من أنه معطى تاريخي له محطات وشواهد وبيئة ولغة... الخ أي باختصار له تاريخ, إلا أنه في الوقت عينه معطى مبين تاريخي مرتبط بالغامض والمجهول. فأنت حين تتطلع على الشعر الجاهلي مثلاً, فإنك تتطلع على قصائد المغلّقات بنصوصها المتداولة وأصحابها كامرئ القيس وطرفة وعنترة وزهير وسواهم... إلا أنك أيضًا تتطلع على ما عرف من إسناد أشعارهم إلى جهة غامضة اسمها الجنّ أو عبقر, ونسب الشعر في القرآن إلى السحر والجنون ونفي كلاهما النبي(ص) العربي في باب نفي الشعر عنه. كذلك حين تتكلم على الشعر اليوناني القديم في الزمن الوثني السابق على المسيحية, وشعر أنه مثل هوميروس وهريودس, فإنك تورد شعر ملحميًا معروفًا ومتداولاً وشعرًا غنائيًا ما يمت بصلة لتاريخ الشعر لكن بالمقابل ستعثر في المكتب الميثولوجية والتاريخية على إسناد الشعر, وأنّ إنشاده أو تمثيله كان مصحوبًا بطقوس سحرية من لباس ومدّ بالصوت وحركات تقرّبه من السحر أو الكهانة. وأوّل بيت من إلياذة هوميروس تقول (تبعًا لتعريب بطرس البستاني): ربة الشعر عن أخيل بن فيلا خبرينا واروي حديثًا طويلاً فإذن هناك ربّة للشعر أو ملهمة وهي وإن كانت في الأساطير اليونانية نصف إنسان ونصف إله إلا أنه تغلب على الألوهة أي المعنى الميتافيزيقي المصدر للشعر.

على امتداد التاريخ كان مصطلح الشعر قلقًا وغير مستقرّ وأحسب أن تاريخ القصيدة هو تاريخ صراع حول القصيدة. قد نلطّف الموضوع قليلاً فنذكر أنّه تاريخ حوار حول القصيدة. قد نلطّف الموضوع قليلاً فنذكر أنه تاريخ حوار حول القصيدة أو محاورة في القصيدة ولكنه بالفعل صراع شرس نشأت حوله الأفكار والمدارس النقدية, كما أنتج جميع أصناف الشعر المعروفة حتى الآن من الشعر الملحمي إلى التراجيدي والغنائي وسائر فنون الشعر الكلاسيكي المعروفة, والمدارس الحديثة من رومانسية ودادائية وسريالية ما هي سوى صراع إبداعي ونقدي حول معنى القصيدة: ما هي؟ من أين تنبع؟ ما علاقتها بالوعي واللاوعي, ما علاقتها باللغة؟ ما علاقتها بالحياة والمجتمع؟ هذا فضلاً عن الأسئلة القديمة حول معناها ومصدرها, تلك التي تكفّلت الفلسفة اليونانية بإجابات وافية ولكن غير شافية عنها فهزّأ سقراط وأفلاطون وأرسطو الشعر والشعراء وجعلوا الشعر والرسم من جملة التفكهة التافهة والمضحكة على موائد التسلية هذا ما يقوله غلوكن في محاورته مع سقراط في جمهورية أفلاطون...

يقول له غلوكن أرأيت مثلاً ما يسمّى بالتسلية على الموائد كأن يقال في أحجية التضاد " \قيل أن رجلاً ليس برجل رمى ما رمى طائرًا وليس بطائر جاثمًا وليس جاثمًا على غصن وليس بغصن بحجر وليس برجل... الخ" يجيبه س (وهو سقراط):"نحن أبرياء في وضعنا الشاعر مع الرسام فإنه يشبهه في إيراده التافهات إذا قيست بمقياس الحقيقة وإذا الحال هكذا فنحن أبرياء إذا حظرنا دخوله الدولة الراغبة أن تتمتع بنظام حسن لأنه يثير قسم النفس الحقير ويقيته ويشدده  (جمهورية أفلاطون . نقلها إلى العربية حنا خباز , دار الكاتب العربي , بلا تاريخ للطبعة ص 247 و ص 253) أشير من خلال ذلك إلى قلق تاريخي حول الشعر ما زال مستمرًا حتى اليوم.

المحاورات السّت التي أجراها اسكندر حبش معي حول ست مجموعات شعرية صدرت على التوالي ما بين عامي 1996 و 2013 ونشرت تباعًا في جريدة السفير اللبنانية التي تدور حول هذا المصطلح القلق بالذات سواء سمي بالشعر أو باسم معطاه الوحيد في اللغة وهو القصيد, ولكن من خلال نصوص هذه المجموعات. وأنا أرى أنه تجاه قلق المصطلح فإنه أنسب الكلمات لكي يكون موضوعًا للمحاورة. وقد فضلت كلمة محاورة على "حوار" لأن وزن محاورة (مفاعلة) يفيد في العربية المجادلة كما يفيد المشاركة.

هناك في المحاورة اثنان DIALOGUE على عكس MONOLOGUE. والمحاورة وردت في الشعر العربي القديم في بيت عنترة في معلقته, مخاطبًا حصانه:
 "لو كان يدري ما المحاورة اشتكى        ولكان لو علّم الكلام مكلمي".

كما أنها مفردة قرآنية "قال له صاحبه وهو يحاوره" إلا أن المحاورة كأسلوب ومنطق ذات أصل فلسفي يوناني أكيد... فجميع الفلسفة المشّائية للثلاثي الفلسفي اليوناني هي فلسفة محاورات. وهو أمر يمتّ بصلة إلى معنى سياسي أساسه الديمقراطية الأثينية وإلى معنى فكري مؤسس على أن الحقيقة هي بنت الجدل...

البذور الجوهرية للمحاورات من ناحية أرتوازية أي سبر الأعماق, ومن ناحية نقدية أي إثارة القضايا الشعرية بما في ذلك تقنيات القصائد وأشكالها, يتعلق بعضها بعلاقة الشعر بالغريزة الشعرية كنداء غامض وأوّلي, بعلاقة الشعر كغريزة لغوية باللغة.

يلي الكشف عن آباء الكتابة وسؤال أيّهما أولاً: الكتابة أم القراءة؟ وحوار حول اللغة أهي وصل أم قطع واستطرادًا حول السريالية. وسؤال هل العقل يسبق اللغة أم العكس. بالطبع نجيب بأسبقية الغناء والمومأة والدادائية اللغوية. وجوابًا عن الحيرة والغموض قلت الغموض سيد الكائنات وسيدي.

هناك سلطة الكلمة والوهم فيما الشعر سلطة الكلمات والكلمات هي الكلمات. كما ثمة أسئلة أثيرت حول علاقة الشعر بالفلسفة والتاريخ والواقع وبالمعرفة على العموم. ففي نظري الشعر يبدأ من حيث ينتهي التاريخ بمعنى أنه هو التحويل الشعري للمعطى التاريخي. لذلك فهو, على خلاف النظرية الكلاسيكية اليونانية والعربية فيه, ليس محاكاة أو تصويرًا بل هو إبداع وخلق لواقع آخر بالكلمات. هذا ما رآه هايدغر في تأسيس فلسفة على أشعار هيلدرلن وهو ما رآه الصوفية من خلال إشارات القرآن التي فهموها في رأيي فهمًا تأويليًا أي فهمًا شعريًا.إنّ الحقل الشعري العربي غير منظور له فلسفيًا لأسباب كثيرة. لا الحقل القديم ولا الحقل الحديث. كان رولان بارت يقول: "أيها الناقد أين الفيلسوف منك؟"

أثيرت مسائل حول الإيقاع ومعناه وقصيدة النثر وإيقاعات الحداثة العربية وأنا أسأل: هل درست إيقاعات الحداثة الشعرية العربية مثلاً؟ هل تم عقد اشتباك عميق بين قصائد الحداثة العربية والشعر العربي القديم, والشعر الأجنبي الوافد من خلال المثاقفة والترجمات؟

أسئلة كثيرة يمكن أن تملأ الإجابات عنها حقلاً لا يملؤه سوى المحاورات.

إن اصطياد اللحظة الشعرية كان جوهر المسألة... أو جوهر الشعر كإشكالية. وكنت أرى أحيانًا أن تعريف الشعر كتعريف الله أمر صعب بل مستحيل.

لكنّ ذلك لم يمنع أن يسلك البشر طرقهم نحو الله... كذلك في مسألة القصيدة: القصيدة تقتات من القصيدة وتبقى جائعة. إن سلطة الكلمات (الشعر) تنطوي على الكثير من التوهيم وعلى المجازفة والسحر والمراهنة على الغيب إذ لا شعر بلا ميتافيزيك. ولا حياة بلا شعر. هذا هو جوهر المحاورات الستّ.

أما كلمة الختام فكانت للناقد و الشاعر عمر شبلي ، حيث كانت مطالعة نقدية ثرية وعميقة في شعر محمد علي شمس الدين ، تحت عنوان: " شعر نقي من الزبد  " قراءة احتمالية في شعر محمد علي شمس الدين .

ولأهمية مطالعته ننشرها كاملة:
استطاع محمد علي شمس الدين الوصول إلى عمق الحال في تعامله مع الشعرية، ولذا كان كالداخل إلى الكنز الذي تُرى جواهره من خلال الشعاع المنطلق من الجوهر الكامن في السراديب المعتمة والمغلقة، "لأن الشعاع يتجه نحو الجانب الذي فيه الجوهر"، وكان يلتقط جواهره على ضوء الأشعة المرسلة منها، ومن هذا البصر الحدسي نستطيع استكناهَ لفظة "أرى" أكثر من لفظة "أعرف" في مسيرة هذا الشاعر الرائي، فكأن حدسه الرؤيوي المضيء هو "الهادي إلى ما يقوله" إذا جاز لنا استعمال تعبير أبينا المتنبي، وهذه الرؤيا الهادية هي الممتدة في مسيرته الشعرية: "إنها حالتي/ أرى لا أقول". وهذه الحال ليست حالاً صوفية فحسب، وإنما هي حال شعرية تمُتُّ بقربى وثيقة للقربى العرفانية، وأحببت أن أشير إلى أنه في أدبنا الصوفي يوجد راؤون كبار، ولكنهم ليسوا شعراء كباراً، وبهذا يمتاز محمد علي شمس الدين، وشاعريته لخرقها الرؤيوي تتجاوز عرفانيته الموجودة في شعره، وتحديداً في قصيدته الرائِيَة المدهشة "يوم الأحد الواقع فيه صمتي". والرؤيا في رحلة محمد علي شمس الدين صوب الشرق، وإن شئتَ، صوب الشروق كانت تتنامى منذ بواكير شعره، رغم شراسةِ وحدَّة الرؤية السياسية في شعر الشباب، والتي بلغتْ ذروتها في "قصائد مهربة إلى حبيبتي آسية". حتى في بواكيره لم يتناول السياسة تناولاً حدَثياً، وإنما كان السياسي ينقذف جانباً ليظهر الرائي، ولكن الشراسة السياسية التي أنتجتها حالات الأمة كانت بيِّنةً، إنما خاضعة للمتحول الذي هو نتاج الداخل فيه بحرية وشعرية عالية. وحرية الانتماء أكسبت رؤيته السياسية بعداً يتنبّأ بما قيل في الألمعي "الذي يظنُّ بك الظنّ كأنْ قد رأى وقد سمعا".

مع تقدم العمر الشعري المتلاطم بالتجربة والثقافة والتراث وإعجاز القرآن بدأ فعل "أرى" يحتل كل تساؤلاته المتولدة من الشك القاتم، إلى "يوم الأحد الواقع فيه صمتي" والتي أراد فيها أن يفنيَ بصره في بصر "الحبيب": "يقولُ صديقي: ماذا تفعل؟/ فأقول له ماذا تبصر؟".  كانت الرحلة قاسية، وكانت وعثاء السفر مضنية، فاستعان على طول رحلة الإياب من الغياب بالموسيقى وآلات الفجر، وكل هذا كان في غرفة أحواله المفتوحة الباب، وعلى الشرق دائماً، لأن هواء الصحو المنبعث من عالم الملكوت الأعلى كان ينقذ الشاعر من نومه، أي من موته. إنه كان سكران بالحكمة ومأخوذاً بإشراقة :"ما كذب الفؤادُ ما رأى". حين يكون شاعر بهذا المستوى في غرفة أحواله، فإن الألحان لا تفتُرُ في هذه الغرفة، فاعجبْ لها من غرفة!!. وقتها كان الشاعر يسمع كلاماً ولكنه لا يرى شفتيْن. إن نسيء هذه الألحان غير ممكن، لأن نسيئها كان يعني العدم، ولأن الإيغال في الشك كان يعني الإيغال أكثر في الرؤيا، إن وجود الجسد ضامن لتنظيم رحلة الروح إلى ملكوت فجرها، ووجود الليل مقدمة لولادة الحال" "لكَمْ كنت تسعدني أيها الليل لولا نجومك التي يتكلم ضياؤها لغة مفهومة". هذا ما قاله بودلير آملاً بولادة لغة بلا كلام ولا نسيء، وبولادة فجر يلغي بقع الظلام، وهذا ما أدركته الصوفية، تلك التي "لم تجد غيرَ الله غيراً".

ولكن محمد على شمس الدين وصل إلى هذه الحال بعد مكابدة، وفيها شرّده دورانه حول حاله فأصبح درويشاً متجولاً في أزقة روحه، وهذا يعني أن أبا حامد الغزالي كان فيه، وكانت فيه مكابدة الحلاج واستغاثاته، وبصيرة الشيخين محي الدين بن عربي ومولانا جلالِ الدين الرومي، وكان الأول يطلب منه أن يكون جندياً في جيش "الفتوح المكية" ليرى، وكان الثاني يصرخ به دائماً: "لا تعبدوا حتى تروا". وكانت مكابدته عالية، لأن البصر يظل حسيراً إذا لم يتحد بالبصيرة، وكان خطف وبرق وكان البرق يدنيه، وظلموت الشك يقصيه، وبينهما كانت رحلة صعبة، ولكنها في النهاية أشرقت بنور واجدها، فاتحد الموجود بالواجد بعد الوَلَه والسفر المضني في زحمة سير نحو الله. كان يمشي بين الحدَّين بين ظلموت الشك وبروق اليقين. كان في غرفة أحواله يرى مرايا داكنة، وكان كل ما أمامه يعذبه: "حيث صنوبرة تنشط فيها الغربان/ وفي الجهة الغربية حيث الشطآن يعذِّبها سوط الموج" وقتها آمن شاعرنا أن الموسيقى "فضل في المنطق لم يقدر اللسان على استخراجه فاستخرجته الطبيعة بالألحان" كما يرى صاحب العقد الفريد. بين التحديق بأطراف الأشجار وأطراف الموسيقى" بزغ "النور الغلاّب" في يوم أحده.
                              ــ 2 ــ
"وكلُّ الجهات جنوب". لم يستطع "أوليس"" الوصول إلى "إيتاكا" إلا بعد المرور على بلاد العماليق، وجزر الساحرات، وربط الأحزمة حول جسده وأجساد أصحابه. إن كل ذلك كان شرطاً للوصول، لأن الوصول هو خلع كل الأجساد الأخرى. وهذا هو الجنوب في رحلة محمد علي شمس الدين، في رحلته الروحية والثقافية والسياسية. إنه لم يستطع أبداً أن يخلع الجنوب، ولم يخلع صاحبه.  فلم يعد يدرك الفرق بين قلبه ودخان قرى الجنوب" هو القلبُ أم حفنةٌ من دخان القرى".

ونقرر مسبقاً: صحيح أن الجنوب جغرافية، ولها حدود وبيئة ومناخ، إلا أن الجنوب في شعر محمد علي شمس الدين هو جغرافية داخلية وخارجية في آن، وهو المكان والزمان، وهو الباطن والظاهر فيه، هو جنوبُ كونيُّ الصفات، وفيه سقطت آخر قطرة من دم الحسين بن علي، وفيه كانت سكينة تذرف مواويلها، وفيه عرف شاعرنا "صباحات التعب"، ومنه استلهم الشاعر بداية رحلته الكونية "باحثاً عن منبع النهر الإله، "فعبرتُ الجسرَ/غسلتُ بماء النهرين التعبا/ وأقمت وجذعُ الماء دمٌ/ ودمٌ أرّختُ به العشبا/". أن يكون الجنوب ابتداء، ففيه شيء من الألوهة، وفيه ظهرت معجزة تحولِ الماء خمراً في قانا، وتحول مريديه سكارى يدورون حول الساقي منذ تبرعم الكينونة حتى لحظة العودة إلى الدالية. في تلك الخمرة كيمياء التحول والسير إلى حيث تدلك تلك الفتاة اللعوب بمصائر أفئدة العارفين: "إنها الطفلة الساحلية/تلك التي أخذت كلَّ ما في الشواطئ/من فتنة ودلال/ وتلك التي من ضفائرها/ تنسج السفن مرساتها/ ومن صدرها يستضيء الجمال". إنها تلك التي لم تدع قلباً غير مجذوب إليها. ولأن الأرض الجنوبية صارت امرأة التحول الواجد لكل ما يجب أن يوجد، صار الجنوب ليلى قيس الذي علّق قلبه المطعون على بوابة الدنيا استشهاداً في سبيل حبها. كل هذا فتنة زينب المتحولة الواجدة. والجنوب شتلة تبغ تنعش الدماغ، وصار زيتَ قنديل مشكاة النور للحيارى الباحثين عن الله المنبعث من صوت مؤذن القرية ونسخة القرآن ذات الجلد القديم، في ذلك البيت الذي ينتظر ظهور "زينب"، وأية زينب!!. إنها امتداد لذلك الصوت الذي لا ينطفئ منذ الطفّ إلى آخر حسين تحوّل شاهداً وشهيدا في جسد زينب القابلة لكل حسين يأتي، وفي كل حسين شهدت زينب قيامته، ينهزم الموت ليصبح أهم علامات الحياة، إنه الحسين الذي يجب ألاّ ينتهي مجيئه أبداً لتنشق الصخرة وتظهر معجزته من دمه الجميل:
يمشي على الموت تيّاهاً كأن به   من الألوهة شيئاً ليس يُخفيه

وحين يتحول المكان إلهاً يكون الموت في حضنه ضمانة للقيامة والظهور. وقتها يلذُّ لمحمد علي شمس الدين أن يعطيه كلّ ما أوتيَ من نعم، حتى ولو ألقاه على التيه.

الموت في الجنوب انتظار، والأهل يحدبون كالشاهدة على القبر/ الجسد، ويتحول الرعبُ الجاثم "بين القبة والمحراب" إلى بشارة بالعودة، ويكون اللقاء ثانية في عامل "في ثنية هذا الجبل الصافي/ ما بين الطلقة والرمان/". كل هذا الموت لا يكون جميلاً إلا في موسم العصف في جبل الرمان، هناك تحديداً" إذا جلجل فيه الرعد/ ودمدم فيه الصوت الجارف../" . إن العصف نبوءة بقيامة مخلص الأرض من خنزير أريحا، ومن نابه الأسود، وكان لا بد من الظلم ليجيء العدل، تلك قراءة ذلك الجبل الإله. وكان لابد للرعد أن يأتي من الجنوب. وهنا يلحّ السؤال العجيب: كم من الدم الكربلائي يختزن الجنوب، ويقود هذا إلى القول، هل جسد الحسين طقوس؟ وهل مواويل سكينة سلاح؟، ومن أين أتت كل هذه الخصوصية للجنوب؟. فجأة تتسع الرؤيا لنخلص من ضيق الأرض والمذهب إلى جغرافية الدم الكونية التي رسمها دم الحسين بن علي، فيخبرنا محمد علي شمس الدين أن "كلّ الجهات جنوب" وفي هذا الكلام الرؤيوي تفسير لمعنى معنى الجسد الحسيني، فحيث يوجد ظلم يوجد حسين، ويوجد دم يقوم من أي مكان، وأنت سَمِّهِ كربلاءَ، إن شئت، وإن شئت فلسطين. وهذا ما يجعل الغيم في الضواحي، ولكنه يظل غيماً حسينياً يأخذ من المكان صفة لتندغم فيه كل الصفات. هذا هو الجنوب في شعر محمد علي شمس الدين.  وإذا كان من الصحة بمكان وجود صوت لزينب إلا أن الجنوب أبعد، إنه يحمل من زينب الكثير لتنتقل إلى كل مكان مقاوم وجسد شهيد، وقتها يتخلص جسد الحسين مما لحق به من محدودية وتعصب لا يليقان بهذا الثائر الكوني. فالغصون وأوراقها تنتمي إلى التراب ولكنها تتحرر منه معانقة الهواء، ويظل تحررها حاملاً شيئاً من خصوصية ترابها. ولذا كلما رأيت محمد علي شمس الدين تذكرت مكاناً في الجنوب. إن الجنوب في شعر محمد علي هو أجمل أقفاص الحرية. وكم هو مُغرٍ أن تسجن المكان في الكلمة فيسجنك المكان. وتكون كالسكران الذي يدور حول ساقيه. وإذا كان الجنوب قدَحاً، فمن الذي سكب فيه تلك الخمرة الأزلية سوى الشعر الذي يحمل قضية إنسانية!!.

ولا بد لنا من تصور ذلك الطفل العجيب، وهو يستمع صباحاً إلى صوت مؤذن القرية على سطح مسجدها حيث يغدو المؤذن هو المئذنة، وهو الذي يهب خيال الطفل جناحاً ليجعل الجنوب في وجدانه غار حراء أخرى، وفيه "أنصت "فأوحى لقلبه ما أوحى".لقد كان الجنوب في شعر محمد علي شمس الدين شيخاً لا ابتداء له، إنه في صوت المؤذن مكان آخر. هذا ما وعاه الطفل الجنوبي العجيب، ومع الزمن صار الجنوب في شعر محمد علي شمس الدين شيخ الوقت أيضاً.
                                         ــ 3 ــ
 محمد علي شمس الدين من أكثر الشعراء إثارة للدهشة في المتلقي، وهذه الإثارة من أكثر مراحل العملية الشعرية دقة، إنه يتصرف بقارئه، ويجبره على الذهاب معه من رؤيا إلى رؤيا دون أن يختل قصده، ودون أن يدخل في الضبابية المفتعلة التي تعتري الكثير من نصوص الشعر الحديث اللاحديث الذي يلجأ إلى الضبابية للتغطية على العجز الرؤيوي وتوهم التقاط الشعاع.

سأذكر بعض العناصر التي تزدحم بها الشعرية المثيرة للدهشة في شعر محمد علي شمس الدين، وأبرزها كما رأيتها من معاشرتي شعره منذ مطلع السبعينيات ومعاشرته صديقا وشاعراً ورائداً شعرياً بامتياز:
 
1 ــ لعبة البديع في شعر محمد علي شمس الدين: قبل كل شيء كان البديع عند الشعراء الكبار ، عند أبي تمام مثلاً، خادماً للشعر، لا غاية للزينة اللفظية، وكان دليل خصب داخلي وثراء معرفي خارجي، وكان البديع مذهلاً بحضوره الإبداعي في الشعر العربي في مرحلة الفكر العباسي، وليس في عصر الانحطاط الذي غدا فيه البديع غاية، لا وسيلة، ومن أمثلتنا على دور البديع إبداعياً قول أبي تمام في وصف الطبيعة في فصل الربيع:
مطرٌ يذوب الصحو منه وبعده    صحوٌ يكاد من الغضارة يُمطرُ

البديع في هذه الصور شعر كامل ، لا يأتيه الباطل أبداً، واللجوء إلى البديع شعرياً يصبح جزءاً من الشعر إذا وافق داخل الشاعر وخارجه، فالبديع في الشعر العباسي المتقدم كان استجابة للتغير الحضاري في المطعم والملبس والبناء وظهور المدن، وكان الشاعر قد بدأ يمتلئ بما لم يكن متيسراً للشاعر الجاهلي من ثقافات واردة من خارج التراث، وكان ذلك ثورة في العقل العربي، فأحد الأعراب أخذ يعضّ أصابعه استغراباً حين سمع أبا تمام يقول:
تسابق الشعر فيه إذ أرقتُ له   حتى ظننت قوافيه ستقتتلُ

وراح أحدهم ينكر حداثةَ أبي تمام، ويسأله: "لمَ تقول ما لا يُفهَم؟"، وكان على أبي تمام المبدع أن يعبر عن عصره وشاعريته، وأن يقول له: "ولمَ لا تفهمُ ما يقال؟".

ونحن نتساءل مع ذلك الأعرابي حين نستمع إلى محمد علي شمس الدين، وهو ينادي حبيبته مزمعاً سفراً: "ناوليني حذائي وقلبي" هذا الطباق البلاغي المذهل يأخذ خيالك بعيدا، ويصيبك بدهشة غير متوقعة، ولكنها بكثافتها تحكي لك قصة كاملة، صباحات تعبه تدعوه للسفر، وقلبه يأبى المغادرة ويحرن عند الباب، وفجأة نتذكر قول ذلك البدوي، وهو يشرح حاله حين يسافر، وهواه في السفر، ولكن هوى ناقته أن لا تسافر لأنها ستترك رضيعها خلفها:
هوى ناقتي خلفي، وقدّاميَ الهوى    وإني وإياها لمختلفانِ

هكذا طباق محمد علي في إثارته عبر النقيضين قصة كاملة عبّر عنها بكلمات ثلاث "ناوليني حذائي وقلبي" قدم تزمع السفر استجابة لحال، وقلب يحرن ويحاول الخروج من صدر صاحبه رافضا مفارقة الدار واستجابة لحال.

 وتغمرنا لذة الكشف عن قصة القُبلة والقِبلة، وهو يقرأ حواريتها المتصاعدة بين نقيضين، وبين نضارة طفل يرى سر الكون في القُبلة، وبين والد يرى الكون في القِبلة حيث بيت الله. يغرينا بحواريته في قصيدته "القُبلة"، ويأخذنا مباشرة للسفر معه للتنقل الداخلي والخارجي بين قُبلة الحبيبة، وقِبلة الله، فتحار أفيها عبث الوليد أم نفحات من الفتوحات المكية، وتقف محتاراً بين حبيبين يغدوان شيئاً واحداً، لا اثنين في نهاية البديع والدهشة أيضاً: "سواءٌ أكنت القاصد فيها أم كنت المقصود". البديع في شعر محمد علي شمس الدين غزير، ولكنه شعرٌ، شعر يقربنا من ذلك البدوي الذي راح يعض أصابعه حين سمع شعر حبيب، ولكن لا يقربنا من سائله "لمَ تقول ما لا يُفهم؟"، ونكاد نميل، وكأننا فوق موج تتراقص فيه شوارده: "عبرتْكَ جارحةً مع اللغة التي دمرتها/ وعرضْتَ في سوق المدينة جثّةَ الكلمات/ جثّتَكَ القديمةَ: هل تظلَّ مشرّداً/في أفقر الأحياء مثلَ أبيكَ حين يبيع/ رايته، ويرهنُ ثديَ أمكَ بالرغيف/ ويشتري/ سبباً لحزنك أو لموتك،... لا يتنفَّسُ الفقراءُ في مدن النحاس ولا/ يسيلُ على شوارعها إلاّ لعابُك.../

في هذا النوع من الشعر، أنت مع حبيب والوليد معاً في صياغة عذبة ومعنى عنيد، ولكن: هل هما هو؟ أو بالأصح: هل هو هما؟ والجواب لا، حتى ، ولو كان شاعرنا ممتلئاً بهما، إنه "نسيجُ وحدِه"، وهذا ما كانه المتنبي، لقد كان في حله وترحاله يحمل ديوانيْ الطائييْن "الوليد و حبيب"، ولكنه لم يكنْهما، لقد كان المتنبي نفسه، فهَضْمُ الشيء يؤهلك لتجاوزه إذا كنت مبدعاً، فالإبداع نفسه لا يكون واحداً في اثنين، والتجاوز ليس إلغاءً، ولكنه فرادة، فكل مبدع له ينابيع كثيرة كالنهر، ولكنه يُنبت شجرَ وزرعَ الأرض التي هو فيها، محمد علي ممتلئ بالبديع، ولكنه ابن عصره، وابن تجربته، حاملاً في صميمه، كل أطياف من اخترقوا وجدانه، وأقاموا فيه، ولكنهم، لم يكونوا احتلالاً إلاّ ما ندر.

في بديع محمد علي شمس الدين إشراقات صوفية، والصوفية جمعت طباق الأضداد لخلق الحال، فالمدامة مدامة وليست مدامة، وقد سكر بها قبله ابن الفارض " من قبل أن يُخلق الكرْمُ". والخمرة في الشعري العرفاني تنقذ العقل من وساوسه كما يؤكد الشاعر حافظ الشيرازي، الذي كان يطلب من المريد أن يغسل سجادة الصلاة بالخمرة، إذا أمره "بير مغان" شيخ المجوس، لأن هذا الشيخ خبير بمسالك دروب المعرفة إلى الله. وفيه من إشراقات رامبو في رحلة "المركب النشوان"، وفي بديعه تحولات الغيم الجنوبي المهاجر، وفيه حمرة من دماء الطف، وأحزان مواويل سكينة، وخضرة من جبل الريحان. والبديع في شعر محمد علي فيه حيرة، والحيرة تجعلك دائماً تسير بين الحدين كما يقول هو نفسه، وكما يراها مولانا جلال الدين الرومي الذي يشرح وجد حيرته: "فما أعجبَ هذا البلبل الذي يفتح فمه ليأكل الشوك مع الورد، ولكن أي بلبل هذا؟! إنه عملاق ناري، ومن العشق أصبح كل شيء في فمه حلو المذاق" فالصنعة البديعية في شعر محمد علي شمس الدين ليست صنعة، لأنها حلوة المذاق في أثرها الأخير، إنها كالخمرة التي تهب لك مرارتها النشوة المضيئة، إن استحضار هذه النشوة هو سر العملية الشعرية بكاملها، وسر عذاباتها.

وأريد أن أؤكد في هذا المضمار أن الشعر الإبداعي هو كالقوة الكهربائية التي تتولد من نقيضين، وهذا ما يضمره البديع في الشعر حين يكون شعراً.

2 ــ الإشراقات وأثرها في شعره:
لقد كتبت كتاباً كاملاً في الرحلة الإشراقية لمحمد علي شمس الدين المتمثلة في قصيدته الرؤيوية" يوم الأحد الواقع فيه صمتي"، وكان عنوان الكتاب: "نفي الغياب في رحلة الإياب"، وقارنت في هذا الكتاب بين رحلة محمد علي في إيابه إلى التوحد بالله في زحمة سير كثيفة يزجيه فيها الشك، وبين رحلة الشاعر الفرنسي آرثر رامبو في "المركب النشوان". كان كلاهما يسير باتجاه الشعاع المنطلق من الجوهر، رامبو كانت تزجيه في رحلته أوروبة المادية التي  شاء أن يفجِّر حيزوم سفينتها التي لم تقبل أن تتوجه به إلى الشرق، ومحمد علي كان يزجيه شك الغزالي مستعيناً بالمعجزة لتنقذه من شكه: " جمّعْتُ نوارسَ أربعةً/ كانت تختال على مهلٍ/ فضربتُ بهنّ يدي/ فتناثرن على أربع تلاّت البحر/  وعُدْنَ بأمر الرب إلى كفّي/ ومرجْتُ بهذا ذاك/ وذاك بما لا يُدرَكُ من/ فيض إشارات الأزمان/ أخذت عصا/ وشققت بها جلد البحر/ لكي تعبر بين الجبلين جنودي/ وأشرتُ لم ماتوا/ أن قوموا/ ولمن أنهكه الداء: تماسكْ/ ولمن غيَّبه الظنُّ تعال/".

واضحٌ في هذه الإشراقات المتكئة على الروح القرآني، أن الإشراق هنا له وظيفة، "ولمن أنهكه الداءُ: تماسكْ/ ولمن غيبه الظنُّ تعال". وحين تكون وظيفة الإشراق داخلية، يصبح الإشراق دواء لخروج الروح من كهوف عتمتها، ولتتماسك في رحلتها الكونية. وكما يقول الإشراقيون: إن الضوء يفطم طفل الروح عن لبن الشيطان، وإن الإشراق له قدرة على وضع النسيان في قلوب الناس، وهذا دواء لمن غيّبه الظن واليأس.

وتتخذ رمزية الحلاج في شعر محمد علي شمس الدين بعداً ثورياً مأسوياً، الحلاج في شعر محمد علي شمس الدين بطل تراجيدي، فهو لم يقتل إلا لأنه أثار ضجة أخلاقية في وجه تجار العقيدة والسياسة والدين، وكانت النتيجة السجن والتعذيب والصلب، وكانت "دموع الحلاج" شهادة على كل زمن  يأتي ، لأن الظلم سيبقى يأتي، وبهذا تكون دموع الحلاج رسالة من سجنه إلى كل مظلوم :" صليتُ ببغدادَ صلاة الدم، ونثرت بغزةَ أوجاعي". وبذلك لا تعود الصوفية إشراقات ذات بعد فردي باتجاهٍ منعزل عن الآخر، وإنما تتحول مرايا وإرهاصات لإضاءة بعض المسالك أمام كثيرين من الذين يضربون في دروبهم بلا بصر أو بصيرة، ولمن أنهكهم ظلم الحياة.

3 ــ لقد وعى محمد علي شمس الدين التراث الأدبي وعياً إبداعياً، لقد تسلقه بذكاء ليقف حيث وجد نفسه مغسولاً من المحاكاة بأصالة تنتمي لأقاصي الحداثة ولأقاصي التراث، وهذا لا يأتي به إلا شاعر مقتدر متمكن من أدوات صياغته التي لا تقطع الصلة بالتراث، ولا تجانب الحداثة، وخروج شاعرنا من التراث هو عودة إليه، وأعني أنه أعاد للشعر دوره في مجتمع بدأ يتخلى عن الشعر لأكثر من سبب، ولكن ظهور شعر بديع يستطيع أن يعيد الاعتبار للشعر الذي هو لغة اللغة وروحها. ولعل شهادة الشاعر أنسي الحاج في ديوان "النازلون على الريح" خير دليل على العودة إلى عصر الشعر، لقد اعتبر الشاعر أنسي الحاج أن هذا الديوان هو انتصار على غربة الشعر، وانتصار للتراث المتجدد إبداعياً، لقد اعتبر أنسي الحاج أن تغريب الشعر كان سبباً، لقتله، وهنّأ محمد علي شمس الدين بمولوده الذي أعاد صياغة الذوق العربي بصياغة تحمل غنائية مترفة لا تزال تفرحنا وتشجينا في آن.

4 ــ  وحين تقرأ أعمال محمد شمس الدين الشعرية التي تضمنها عمره الشعري تحس ازدحام المعارف الإنسانية فيما هو أبعد من تراثنا العربي، وله أسلاف من الشعراء العالميين كما يقول هو في مقابلة مع مجلة المنافذ الثقافية " العدد الثالث، ربيع 2013 " :"من أسلافي أنطونيو ماتشادو الإسباني، من أسلافي غارسيا لوركا وجلال الدين الرومي، هؤلاء الأسلاف متباعدون،....  لكنهم يلتقون في نقطة معينة... شرط الإبداع عندي هو أن يتم تحويلهم في النص... كيف أحوّلهم جميعاً إلى نص يشبه شخصاً واحداً". هذا التنوع المعرفي تحوَّلَ تنوعاً شعرياً يمتد بين الشاعر وأسلافه بالتحام وافتراق دائبين، فلا اتصال بلا انفصال، لأنه وقتئذ يكون ركوداً ، والركود داء شعري لم يُصَبْ به محمد علي شمس الدين. كان محمد علي مع أسلافه من الشعراء جميعاً يعرف كيف يحوِّل حال غيره إلى حاله هو. ومعنى هذا أن الشاعر الكبير لا يستطيع أن ينجز عملاً إبداعياً دون سياحة في الآخر. وهذه السياحة تهب الشاعر "شقشقةً هدرتْ"، وأثناء هديرها يدخل في ذاته، ويصبح خارج صاحبه وفيه في آن. محمد علي قارئ تأثري ومُريدٌ إلى حدّ الغواية، ولكنه يعرف كيف ينفصل عن شيخه، ويصبح هو، ولكن دون أن يخلع صاحبه في معظم الأحيان.

وأنا أستطيع أن أقول إن الشاعر محمد علي شمس الدين حوَّل أسلافه هؤلاء إلى شعراء جنوبيين، وشعراء عرب، رغم تأثره بهم، لأن الخصوصية في الشيء هي نقطة ارتكاز مداه الأرحب، وخصوصية المبدع تظل هي الأعلى. وفي مقارنة بين "يوم الأحد الواقع فيه صمتي" و"المركب النشوان" لرامبو، رصدت الرؤيا التي انطلق منا الاثنان، وذهب فيها محمد علي شمس إلى الجنوب لتستحم رؤاه بغيوم الجنوب ومواويل سكينة، وذهب رامبو إلى عدن ليستحم وجده بالشرق الإشراقي.
وهنا لا بد من التأكيد على أن ازدحام المعارف الوجدانية الآتية من الآخرين إلى وجدان الشاعر لا يستطيع المبدع إزاحتها مهما كانت عمليته الإبداعية عالية.

5 ــ الالتزام بقضايا الإنسان الكبرى:
يكفي أن تكون جنوبياً، بالمعنى الذي يعنيه الجنوب اللبناني، روحياً، وثقافياً، ومعاناة، وتاريخاً، ومقاومة، وخارج المفهوم الجغرافي للأرض الجنوبية التي هي امتداد لكل وجع الذين كانت جغرافيتهم مسحوقة كإنسانيتهم، أقول يكفي ذلك لتكون مؤهلاً للدخول في حضرة الشعر، بمنأى عن دراويش الحضرة، فالجنوب حال أكثر من كونه جغرافية.

شعر محمد علي شمس الدين مسكون حتى الامتلاء بقضايا الإنسان الكبرى، الحب والحرية والحلم والسعي للالتحام بكل وجع آتٍ من أدغال نفس معذبة أينما وُجدت، ووصل أنينها إلى أذُنيْ وجدانه، ولا أعتقد أنك تقرأ قصيدة لمحمد علي شمس الدين، ولا تجد فيها همّاً إنسانياً، حتى ولو كان همَّ قلبه المطعون المعلق على باب الدنيا وحده. قصائده منذورة للآخر بمقدار ما هي منذورة لذاته، وأنا أعتقد أن كثيراً من شعرنا العربي الحديث قد سقط، وسيسقط الكثير منه لأنه يتموقع خارج الإنساني،
 يجب على الشعر أن يشبه الأرض التي أنشأته، وربته، وأعطته معنى أن يكون. وإلا كان متّهَماً. لقد ظهر في الحداثة العربية شعراء كبار، ولكنهم هاجروا عن معنى أن يكونوا، كما قال "بدر شكر السياب": "إن خان معنى أن يكون/ فكيف يمكن أن يكون؟". لقد خلعوا صاحبهم، وصعدوا منابر ليست مصنوعة من وجعهم ووجع أمتهم، وراحوا يحوّلون الشعر إلى أدغال، لا يستطيع الداخل إليها أن يتبين معالمها، فكيف يمكن أن يكونوا؟ وشعر محمد علي شمس الدين اكتسب كثيراً من حضوره بسبب انتمائه لكل ما في الجنوب من وجع وتاريخ ومقاومة. إن أهمية شعر محمد علي شمس الدين  تنبع من التزامه بقضايا الإنسان، وليس بسبب جماليته وحدها.

أن تكون صاحب قضية عالية فأنت وقتئذٍ تكون في قضية الآخر، لأن "الأسى يبعث الأسى". الجرح لغة، وشاعرنا  أحس بجراح أرضه، وحمل الجراح وأحسَّ بوخزها وآلامها، لأنها فيه وحوله، ومن الجنوب انطلق إلى فلسطين، إنها امتداد للجرح الإنساني منذ طعنة قابيل لهابيل. وأنَّى التقيت بشعر محمد علي شمس الدين في كتاب أو منبر ترى فلسطين جنوبية الأسى، وجنوبية الهوى في روحه، فيهدل لها شعراً، هو تماما شعره الجنوبيُّ نفسه. انحاز ل "فردريكو غارسيا لوركا" لأنه كان شاعراً ملتزماً بقضية الإنسان الكبرى، ولأنه مات شهيداً من أجل إيمانه بوجوب انتصار الحرية. غنّى لآسية كلها، وهرّبَ إليها قصائده، وانتصر للحلاج لأنه دفع حياته ثمناً لما آمن به. انتصر لأبي العلاء المعري في جغرافية الجسد الحزين وسجع الحمام الذي واجه به زئير الأسد. انتصر لأولئك المعذبين الذين نزلوا على الريح حاملين كل أوجاع إنسانيتهم المهدورة. انتصر لجغرافية الإسلام الروحية التي وسعت كلّ شيء، للإسلام الكوني الذي كانت شخصية النبي محمد صورة له وعنه، وانتصر لضعف الإنسان أمام قدريته التي لا بد من مواجهتها ظالماً ومظلوماً. وقف أمام أطلال الحضارات، وانحاز لأسدين يبكيان على مدخل قصر الحمراء.   وفي ذروة تحولاته التي أنضجتها تجربة العرفان تحوّل إلى نافخ على نايٍ على أبواب "قونية" حيث أمرَه جنوبه أو شمس تبريزه بذلك. كان صوت الناي، وكانت آلات الفجر تسمعه ألحانه، وهو في زحمة سيره نحو الله.

6 ــ محمد علي شمس الدين داخل في جدلية التاريخ بأسلوبه هو، وعاشق لسيَر التاريخ، ونال دكتوراه في التاريخ. والتاريخ في شعر محمد علي شمس الدين هو كما يراه في مقابلة مع مجلة المنافذ الثقافية العدد الثالث 2013:" أشخاص التاريخ في شعري هم أقنعة لوجهٍ هو وجهي، ....أنا استعملت أو استعرت أو لبست هذه الوجوه المتعددة في التاريخ، لأنها اشتبكت في داخلي، ولأنها تشكل أقنعة لشخصي، ومسألة القناع مسألة شديدة الخطورة في الكتابة الشعرية، ... والنقطة الثانية التي أردت أن أقولها هي أن الشاعر أو المبدع منتدَبٌ لكي يحوّل أية مادة من مواد إبداعه إلى دمه الخاص، وبالتالي فإن الشعر يبدأ دائماً من حيث ينتهي التاريخ". التاريخ في شعر محمد علي شمس الدين استحضار المعنى في ذاته الغائصة في التاريخ اختياراً إبداعياً، وليس سرداً حدثياً.

7 ــ الرمز في شعر محمد علي شمس الدين.
محمد علي شمس الدين شاعر رموز وأقنعة بامتياز، والقناع هو في حقيقته رمز، لا يفسره غير الالتباس المعنوي الذي يجعل القناع يحكي لغة غير القناع،  هو الشاعر في الآخر، وليس هو الآخر، إن القناع كالساحر الذي يقول ما ليس له ، وهذا يرفع صاحب القناع عن المحاكاة ليكون هو القابع خلف القناع بطريقة هي شبيهة بدور الساحر، الذي يرتدي القناع ليساهم في صنع المصائر. إنه يلبس قناع المتنبي لتأسيس ممالك عالية، ولكنه ليس المتنبي، بل يظل هو هو، وتكون ممالكه قائمة على نقيض الأسل رغم إيمانه بها، إنه يغوص في تجربة المتنبي إعجاباً به ليستخرج تجربته الخاصة به، وزبدته المستخلصة من القناع ونقيضه في آن، يقول المتنبي:
أعلى الممالك ما يبنى على الأسل    والطعن عند محبيهنّ كالقُبلِ

محمد علي شمس الدين ممتلئ بالمتنبي، ومسكونٌ به، ولكن المتنبي يحرّضه لاكتشاف ممالكه هو، وسلفاً نقرر، إنه لم يبنِ ممالكه العالية لولا تحريض المتنبي وهديره في صدر محمد علي، ولذا يحمل ريح المتنبي ويمتطيها ليصل إلى هديره هو، حاملاً المتنبي ومعترضاً عليه وعائداً إليه،:/ورأيته يزن الرياح بكفه/ ويقول دوري/ ما شئتِ إني حاملُ اللهب المقدس في يدي، ودمُ العصور/ ما زال يجري في أعنته القديمة غاسلاً/ وجهي ومقتحماً جذوري/....أعلى الممالك ما يُشاد على الزهور/ لا السيف/ هذي حكمتي منقوشة فوق السحاب/ وفوق سارية الأثير/ ونظرتُ نحو سمائها الزرقاء/ فاحتشدت نسوري/

إن المتنبي حاضر في محمد علي شمس الدين حتى وهو يناقضه في بناء أعلى الممالك، ورغم السلام والممالك التي تبنى على الزهور في شعر محمد علي شمس الدين إلاّ أنه لا يريد إغضاب أبيه المتنبي، فيعود إليه ليقول له :إن صفاء السماء الزرقاء الرامزة للسلام لا زالت محتشدة بالنسور التي يعشقها المتنبي: "فاحتشدت نسوري"، إنها نفس النسور التي كانت تسير معه في جيش سيف الدولة:
تظنُّ فراخُ الفُتخِ أنك زرتها   بأُمَّاتها وهي العتاقُ الصلادمُ

القناع يكشف محمد علي شمس، حتى وهو يلبسه لأنه هو المتكلم وراء القناع.

وفي معظم شعر محمد علي شمس الدين يتخذ الرمز أقنعة خلف الأقنعة، وتوغل رمزيته في الأبعد، حتى لكأن رمزه يلد رمزاً آخر في عملية مشتبكة، وهذه العملية تقودك إلى ما يشبه ستائر، تنعكس عليها صور موجودات تتسم بالغزارة والغرابة، والإغراء بملاحقة أصداء أضواء رموزه المشتبكة، والمتنافرة بانسجام عجيب، كتنافر وانسجام القِبلة والقُبلة. رموز محمد علي شمس الدين مسكونة بالتاريخ ومأهولة به، ولكنه التاريخ الذي يتحول خلف القناع إلى حال تخص الشاعر وحده في تآلف حميم مع شخصية التاريخ المستعارة. ولأنه التحول الخارجي في الداخلي يمتلئ رمز محمد علي شمس الدين بالدهشة الآسرة التي يصعب التخلص من أسرها، وهي دهشة مخاتلة، تغريك بوصالها، ثم  تبعد عنك تاركة من شعاعها خيطاً يغريك بالمتابعة. وهذه الدهشة ذات ألوان، وذات لغة، تكاد تصبح لغة في اللغة، وتخلق أكثر من معنى في المعنى الذي يمكن أن نقول فيه: "إنه حمّالُ وجوه". الدهشة ذاتها رمز لأنها تنقل المتلقي إلى ما ليس متوقعاً ورودهُ. وفي دهشته الرمزية تقية أحياناً كثيرة، ولكنها تقية الرؤيا، وليست تقية الموقف الخائف.

ورغم تأثر محمد علي شمس الدين بتراث الشخصية الحسينية، وما ذرفته من شعر وأحاسيس في نتاجه، إلاّ أن هذا التأثر العلوي الحسيني لم يسدل أمامه الستار على الرؤية الحضارية العربية التي كان فيها للحضور الأموي دور مؤثر، وعشق الشخصية الحسينية برمزيتها لم تبعد عن وجدانه صقر قريش، وأسدَيْ غرناطة، ولنستمع معاً لهذه الرمزية الهائلة في هذه القصيدة الكثيفة الموحية والغزيرة المحتوى واللانهائية الأبعاد:
أسدان على باب القصر بغرناطة/ وُجدا ينتحبان/ قال الخادم: يا مولاي/ أبصرتُ دموعهما/ تنساب على الخديْن/ وتجري/ حتى تملأ بهو الحمراء/ هل يبكي أسدٌ حجريٌّ يا مولاي؟/ ظنَّ الخادم/ أن الأسد الواقف يبكي/لم يفطن/ أن النافورةَ ألقَتْ/ ما انسدّ من الماء الآسن/ في جعبتها/.

في هذه القصيدة يوحي حضور الأسديْن بمجد ثمانية قرون عربية أموية أندلسية ساهمت في إضاءة حضارات إنسانية أخرى، وفيها رمزية دموع الأسدين في أزمنة أفول غرناطة، وتوحي الرمزية هنا بقساوة بكاء الأسدين. إن بكاء الأسود مؤذٍ، وهو أصعب مراحل انهيار معنى المأسدة الخالية من أسودها. وفي رمزية بكاء الأسدين حيرة وتعجب، لأن الحيرة تنبع من سؤال مؤلم: لمَ يبكي الأسدان؟، والحيرة هنا منوطة بعظمة ما تهدم من رمزية الأسدين. ثم نتأمل في حَجَرية الأسدين اللذين يختلجان ويحسان ويذرفان الدموع على مدى البحر الذي سلكه أبو عبد الله الصغير الذي غدا رمزاً للماء الآسن في جعبة تلك الحضارة التي كانت نافورة، ويحق للأسدين في شعرك يا صديقي أن يدلقا كل ما انسدَّ من الماء الآسن، ويرددا ما قالته الثريا لزوجها الهارب:
إبكِ مثلَ النساء ملكاً مضاعاً     لم تحافظ عليه مثل الرجالِ

شكراً ليراعك المبدع يا شاعرنا الكبير، وشكراً للأستاذ إسكندر حبش، وهو يلتقط هذه الرؤى الخالدة ليمتعنا بها في دمه ودمك الأبيض.

وختا

عدد القرآت 6624

الإسم
البريد
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

جميع الحقوق محفوظة لدار الأمير © 2008